المحتوى الرئيسى

السوبر افتراضية : صراع النصوص الأدبية بقلم:حسن عجمي

06/29 19:59

قاسم حداد : " الغزالة يوم الأحد "

السوبر افتراضية : صراع النصوص الأدبية

حسن عجمي

تتصارع النصوص الأدبية و ينتصر النص الأقوى فيبقى. و يعتمد كل نص على فلسفة معينة على ضوئها يولد و ينمو. نشهد في هذه المقالة نشوء السوبر افتراضية كفلسفة أدبية تنافس كلاً من الواقعية و الافتراضية المجردة, و نستعين بكتاب " الغزالة يوم الأحد " للشاعر قاسم حداد كنموذج على الطرح السوبر افتراضي في الأدب المعاصر.

جدل الممكن و الواقع

ثمة فرق حقيقي بين الافتراضية و السوبر افتراضية. النص الافتراضي هو النص الذي يصف هذه الأكوان الممكنة أو تلك بدلاً من أن يصف عالمنا الواقعي. من هنا , النص الافتراضي يعتمد كلياً على الخيال و بذلك لا يهدف إلى وصف و تفسير عالمنا الواقعي الذي نحيا فيه. لكن النص السوبر افتراضي يصف الأكوان الممكنة من أجل أن يصف و يفسّر عالمنا الواقعي بالذات. هكذا تختلف السوبر افتراضية عن الافتراضية. فبينما النصوص الافتراضية تقدّم معارف عن الأكوان الممكنة العديدة و المختلفة , تعبّر النصوص السوبر افتراضية عن واقعنا من خلال وصفها للأكوان الممكنة و بذلك تقدّم النصوص السوبر افتراضية معارف حقيقية عن عالمنا الواقعي. فوظيفة الخطاب السوبر افتراضي كامنة في التعبير عن حقائق عالمنا من خلال التعبير عن حقائق العوالم الممكنة التي تبدو مختلفة عن عالمنا. بالنسبة إلى الخطاب السوبر افتراضي , عالمنا الواقعي ليس سوى مجموع الأكوان الممكنة كافة , و لذا وصف الأكوان الممكنة لا يغدو سوى وصف لعالمنا نفسه. و تختار السوبر افتراضية الحديث عن الأكوان الممكنة كمنهج في اكتشاف عالمنا الواقعي بدلاً من أن تصف الواقع بشكل مباشر لأن رحلتها إلى الأكوان الممكنة تضمن لها حرية أكبر في التعبير لكونها في هذه الرحلة تصف أكواناً مختلفة بدلاً من أن تبقى سجينة رؤيتنا المحدَّدة للواقع. كما أن اعتماد السوبر افتراضية على منهج وصف الأكوان الممكنة يؤدي بها إلى اكتشاف حقائق جديدة في عالمنا الواقعي بالذات , و بذلك سفر النص السوبر افتراضي إلى عوالم الممكنات يضمن اكتشاف حقائق عالمنا الواقعي التي لم نكتشفها بعد. هذا لأن الكشف عن الحقائق الممكنة القائمة في الأكوان الممكنة يدلنا على ما قد يكون عليه عالمنا الواقعي و على ما قد يحتوي من ظواهر و حقائق , و بذلك نضمن إمكانية إكتشاف حقائق جديدة عن واقعنا المجهول.

الافتراضية تهرب من الواقع إلى الممكنات المتحققة في الأكوان الممكنة , بينما السوبر افتراضية تحتضن الواقع من خلال احتضان الممكنات و أكوانها الممكنة. على هذا الأساس , تسجننا الافتراضية في سجون اللاواقع , لكن السوبر افتراضية تحررنا من اللاواقعية بفضل إعادة اكتشافها للواقع من خلال اللاواقع. هكذا تزاوج السوبر افتراضية بين الواقع و اللاواقع أي بين عالمنا الواقعي و الأكوان الممكنة بينما تكتفي الافتراضية بالأكوان الممكنة فتخسر عالمنا الواقعي من جراء ذلك. على ضوء هذه الاعتبارات, تتضح أفضلية السوبر افتراضية و انتصارها و تقهقر الافتراضية و انعزالها. فالسوبر افتراضية تعبير عن أن عالمنا الواقعي ليس سوى مجموع كل الأكوان الممكنة فتحافظ بذلك على الواقعية و لا تقصي الواقع بينما الافتراضية قاتلة الواقع. السوبر افتراضية تصف الواقع و الأكوان الممكنة في آن و بذلك تضاعف معارفنا من خلال التوحيد بين الواقعية التي تعبّر عن عالمنا الواقعي و اللاواقعية التي تعبّر عن الممكنات فقط . و هنا يكمن سر تفوقها ؛ فهي لا تعادي أحداً فتضمن الانتصار دوماً. أما الواقعية فتتحزب للواقع فتعادي الافتراضية و وصفها للممكنات اللاواقعية , بينما الافتراضية تتحزب للممكنات اللاواقعية فتعادي الواقع. لكن السوبر افتراضية تصادق الممكنات اللاواقعية و الحقائق الواقعية في آن لأنها تستخدم الأكوان الممكنة كأدوات لوصف و فهم و تفسير عالمنا الواقعي. هكذا تضمن السوبر افتراضية نجاحها الدائم ؛ فلا يوجد من يقاتلها. كما أن للسوبر افتراضية أساساً علمياً صلباً. فبالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكم العلمية , الجسيم يعبر كل الممرات الممكنة في الوقت نفسه , و الألكترون الذي يسبح حول نواة الذرة يوجد في كل الأمكنة الممكنة حول نواة ذرته. هكذا عالمنا الواقعي هو مجموع الأكوان الممكنة. من هنا , تصدق السوبر افتراضية في وصف عالمنا الواقعي من خلال وصف الأكوان الممكنة.

تتنافس النصوص و تتصارع تماماً كما تفعل الكائنات الحية ؛ فالنص حي في كاتبه و متلقيه. و فقط النصوص الأفضل و الأنجح في التكيف مع محيطها المتغير تبقى و تستمر في الحياة. و بما أن المحيط الاجتماعي و الثقافي متغير بشكل دائم بحيث يصعب التنبؤ بكيفية تغيراته , إذن النص الذي سوف ينتصر و يبقى هو النص اللامحدَّد في صفاته. فبفضل لا محددية صفاته لا يُسجَن في صفات محدَّدة و بذلك يتمكن من التكيف مع المتغيرات كافة ما يضمن له النجاح و الاستمرار. على هذا الأساس , تكفل السوبر افتراضية نجاحها و استمرارها لأنها تصوغ نصوصاً غير محدَّدة. فبما أن النص السوبر افتراضي يعبّر عن الأكوان الممكنة و عن عالمنا الواقعي في آن , إذن من غير المحدَّد ما إذا كان النص السوبر افتراضي يعبّر عن الواقع فقط أم يعبّر عن الممكنات فقط , و بذلك يملك النص السوبر افتراضي صفة اللامحددية ما يضمن تكيفه مع المتغيرات الاجتماعية و الثقافية فنجاحه المستمر. فمثلاً , إذا كانت جودة النص كامنة في اكتشاف الواقع و وصفه , فهذا لا يضر النصوص السوبر افتراضية بل يزيد من جودتها لأنها تصف الواقع و تعيد إكتشافه من خلال وصفها للأكوان الممكنة. أما إذا كانت جودة النص كامنة في اكتشاف الممكنات و وصف أكوانها الممكنة , فهذا أيضاً لا يضر النصوص السوبر افتراضية بل يزيدها قوة لأنها نصوص تصف و تكتشف الأكوان الممكنة لكي تُعيد صياغة الواقع و فهمه بطُرُق جديدة. هكذا يتمكن الخطاب السوبر افتراضي من تحقيق نجاحاته المستقبلية. أما الخطاب الواقعي و الافتراضي فكل منهما يعاني من محدديته ما يجعل معظم نصوص الواقعية و الافتراضية عرضة للفشل و الاندثار. فالخطاب الواقعي يسجن نفسه في صفة محدَّدة ألا و هي صفة وصف الواقع كما نختبره , بينما الخطاب الافتراضي يسجن نفسه في صفة محدَّدة أخرى ألا و هي صفة وصف الممكن اللاواقعي فقط . من هنا , السوبر افتراضية تنتصر على الافتراضية و الواقعية بفضل وصفها لعالمنا الواقعي و للأكوان الممكنة معاً.

يعتمد الشاعر قاسم حداد في كتابه " الغزالة يوم الأحد " على السوبر افتراضية في بناء شذراته الأدبية. فمثلاً , يقول : " هل تسأل عن الباب ؟! ليس ثمة باب , لا تدخل , لا تخرج. هذه حياتك " ( قاسم حداد : الغزالة يوم الأحد. 2010. دار الغاوون ). هنا يصوّر الشاعر عالماً ممكناً حيث لا توجد أبواب. الباب رمز يدل على صناعة الحضارة الإنسانية كما نعرفها. لكن من الممكن تصوّر الإنسان من دون إنتاجه الحضاري أو التاريخي. حينها : هل تنقص إنسانية الإنسان أم تزيد؟ من دون وجود الباب يزول معنى الدخول و الخروج لأن الدخول دخول من باب و الخروج خروج من باب أيضاً. و بذلك في عالم ممكن خالٍ من أبواب لا أحد يدخل و لا أحد يخرج ما يتضمن غياب الفاصل بين الأنا المختبئة خلف الباب و الآخر المُنتظِر خارجه. من هنا , يزول الفصل , المتمثل في إنجازات الحضارة الإنسانية , بين الأنا و الآخر و بذلك تزداد إنسانية الإنسان التي لا تميّز بين فرد و آخر. فالتمييز بين البشر سببه المنجزات الحضارية كالأبواب التي تعزل الناس عن بعضهم البعض فتُنقِص إنسانيتهم. لكن من جهة أخرى , حياة من دون أبواب حياة من دون خروج و دخول و بذلك تخسر حياة كل فرد أهدافها الخاصة التي تميّزها عن حياة الآخرين. على هذا الأساس , يقع الإنسان في معضلة يستحيل حلها ألا و هي : كيف يكون الفرد متحداً مع الآخر في إنسانية واحدة لا تتجزأ و يبقى محافظاً على تفرده و تميزه عن الآخرين في الوقت نفسه؟ هذه هي المعضلة الجوهرية التي يواجهها الإنسان في عالمنا الواقعي. هكذا يصف حداد عالمنا الواقعي من خلال وصف العوالم الممكنة فيغدو نصه نصاً سوبر افتراضياً. يُكمِل الشاعر قاسم حداد رصده لتلك الأكوان الممكنة الخالية من الأبواب الواقعية و الافتراضية قائلاً : " ليست هذه غرفتك , / افتح الباب و اخرج/ إنها في الخارج" ( المرجع السابق ). بما أن هذه الأكوان الممكنة التي يصفها الشاعر تغيب عنها الأبواب , إذن من المتوقع أن تكون خالية أيضاً من الغُرَف. لذا لا نملك غرفاً في تلك الأكوان ما يضمن تحررنا منها و من أبوابها التي تفصلنا عن العالم و عن الآخرين. هكذا العوالم الممكنة المفتقرة إلى منجزات الإنسان كالغُرَف و الأبواب تحررنا من سجون ما ننتج من صناعات حضارية كاذبة. لكن إذا لم تكن هذه هي غرفنا أو تلك, إذن لا مفر من الخروج من غُرَفنا المخادعة أي ذواتنا الكاذبة و اللجوء إلى ما يكمن من غُرَف خارجها. و بذلك تصبح غرفنا الحقيقية أي ذواتنا الحقيقية قائمة في الخارج ما يدل بدوره على أننا لا نتمكن من التخلص من غرفنا- ذواتنا ما يجعلنا نقع في مشكلة أخرى يستحيل حلها أيضاً ألا و هي التحرر من عالمنا ؛ فعالمنا يتشكّل من الداخل و الخارج و بذلك يستحيل التحرر منه. لكن هذه المشكلة مشكلة عالمنا الواقعي بالذات حيث يستحيل علينا الخلاص من سجون غرفنا و ذواتنا و هوياتنا و امتلاك الحرية المطلقة في صياغة أنفسنا و عالمنا. من هنا , يصف حداد عالمنا الواقعي نفسه من خلال وصفه لتلك الأكوان الممكنة التي تعدنا بالحرية و لا تقدّمها لنا.

من المنطلق ذاته , يعرض لنا قاسم حداد عوالم ممكنة حيث الخطأ أصدق من الصواب. يقول : " ... الخطأ أجمل من الصواب / و أكثر غموضاً / و غنى , / و طريقك الملكية نحو الكشف " ( المرجع السابق ). يعلّمنا العقل المتجذر في منطق الواقع أن الصواب دائماً أصوب و أفضل و أجمل من الخطأ و أن الصواب هو سفينة نجاتنا بينما الخطأ هو خالق فشلنا و زوالنا. كما يملي علينا عالمنا الواقعي بأن الصواب طريقنا نحو كشف الحقائق و تحقيق المعرفة. لكن الأكوان الممكنة التي يكشف عنها الشاعر حداد تقلب معادلة الصواب و الخطأ. ففي تلك الأكوان الخطأ أصوب و أفضل و أجمل من الصواب و أغنى منه و هو المنهج المُوصِل إلى الحقائق و المعرفة. هذه أكوان مختلفة تماماً عن عالمنا الواقعي , لكن رغم ذلك توضح عالمنا الواقعي و تعيد صياغته. هذا لأن الخطأ و الصواب نسبيان ؛ فما كانت تعتبره البشرية على أنه خطأ أمسى فيما بعد هو الصواب. و لذا يكتسب الخطأ مصداقية أكثر و غنى أكبر من الصواب ؛ فهو الذي ينمو ليغدو صواباً و ليشكّل العالم الذي رفضه مُسبَقاً. أما الصواب فبمجرد أن نعتبره صواباً يمسي يقيناً لدينا لا يتغير و لا يُستبدل و بذلك يسجننا الصواب في صوابيته. و بكونه صواباً يدعونا إلى الاكتفاء به و عدم البحث عن أية حقائق و معارف جديدة. هكذا الصواب فقير بينما الخطأ غني. فأخطاؤنا تدفعنا إلى مزيد من البحث عن الحقائق و المعرفة و تدلنا عليها ؛ فالمعرفة كامنة في نهاية طريق الأخطاء. كل هذا يصدق في عالمنا ؛ فمن خلال إنتاج أكبر عدد من الأخطاء و من ثم إقصائها نتوصل إلى الصواب. هكذا العوالم الممكنة التي يكشف عنها نص حداد كالعوالم الممكنة حيث الخطأ أجمل من الصواب هي وسائل شعرية- معرفية لإعادة إكتشاف الواقع الذي نحياه.

من منظور هذا النموذج الفكري- الشعري يضيف حداد : " ثلاثة أرباع الحقيقة / كذب تحرسه السلطات الثلاث . / يلزمك سلطة رابعة , حرة / لفضحه .. بالربع الصادق " ( المرجع السابق). بما أن الخطأ أجمل و أغنى من الصواب و هو الطريق إلى الكشف , إذن من الطبيعي أن تكون ثلاثة أرباع الحقيقة كذباً و ربعها فقط صادق. ففي العوالم الممكنة حيث الخطأ هو القيمة الأعلى من المتوقع أن تكون حقائق تلك العوالم متكوِّنة في الأساس من أكاذيب لا يفضحها سوى ربعها الصادق. هنا يصف الشاعر أكواناً ممكنة مختلفة عن عالمنا الواقعي ؛ ففي عالمنا الواقعي من المستحيل أن تتكوّن الحقيقة من أكاذيب و ربعها فقط صادق لأنه إذا كانت الحقيقة مجموعة أكاذيب فحينها الحقيقة متناقضة بكونها حقيقة فصواب و بكونها أكاذيب فخطأ في آن, و هذا مستحيل بالنسبة إلى عالمنا. لكن الشاعر يصف عالمنا أيضاً من خلال صورته الشعرية- الفكرية السابقة لأن صورته هذه تشير إلى السلطات الثلاث التشريعية و التنفيذية و القضائية التي تحرس كذب الحقيقة و السلطة الصحافية التي ينبغي لها أن تكون حرة لفضح أكاذيب الحقيقة من خلال صدقها. هكذا يفكك قاسم حداد الأنظمة السياسية و الاجتماعية السائدة في عالمنا و ينتقدها من خلال صورة شعرية- فكرية تصف أكواناً ممكنة حيث الحقائق أكاذيب. على هذا الأساس , يستعين نص حداد بالعوالم الممكنة من أجل فهم عالمنا الواقعي بالذات ما يضمن لنصه صفة السوبر افتراضية. فنصوصه لا ترتحل إلى الأكوان الممكنة فقط لوصفها , بل تقوم بتلك الرحلة من أجل إيضاح واقعنا و جدليته. بالإضافة إلى ذلك , يحلّل حداد حقائق عالمنا الواقعي حين يشرح حقائق تلك العوالم الممكنة. فبما أنه من الممكن أن توجد أكوان ممكنة حيث ثلاثة أرباع الحقيقة هي أكاذيب و ربعها فحسب صادق, إذن من الممكن أن تكون الحقيقة مجرد عملية جدلية تتقلب بين الكذب و الصدق بدلاً من أن تكون كينونة ثابتة لا يصيبها التقلب الجدلي بين الخطأ و الصواب. لكن عالمنا الواقعي نفسه هو عالم ممكن و إلا لم يوجد أصلاً. من هنا , من الممكن أن تكون حقائق عالمنا الواقعي مجرد عمليات جدلية تقلب الكذب صدقاً و الصدق كذباً. هكذا رحلة الشاعر إلى عوالمه الممكنة ليست سوى عودته إلى جوهر حقائق العالم الواقعي الذي نحيا فيه , و بذلك تكون فائدة الرحلة الشعرية هذه مضاعفة ؛ فهي رحلة كشف عن أكوان ممكنة مختلفة عن عالمنا كما أنها سفر مبتكر و عودة سالمة إلى الواقع و حقائقه الجدلية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل