المحتوى الرئيسى

العراقيون بين مطرقة الماضي وسندان الحاضر بقلم: خليل الفخري

06/29 17:58

العراقيون بين مطرقة الماضي وسندان الحاضر

ان الجماهير التي تمسكت بالشارع فجعلت منه برلمانها ومنتدىَ لاسماع صوتها . سعت من خلاله الى التعبير وادخال بعض الاصلاحات التي رأتها ضرورية . وعبّرت عن تحركها بآلية منظمة لم تكن تهدف من ورائها تحقيق يوتوبيا المدينة الفاضلة بقدر ما كانت تأمل تحقيق نوع من التوازن المفقود والعيش الكريم الذي يليق بأنسان الالفية الثالثة .

لم تجير احتجاجات الشارع لجهة سياسية معينة او طائفة او مذهب كما ان شعاراتها التي حملت مطاليبها لم تكن لتتقاطع مع سياسة الحكومة انما تعاملت معها بآلية سلسلة تتسم بالمرونة وبقدر كبير من التسامح . فلم تدع لاسقاطها , ولا حتى تغييرها ,وكانت ترى في استجابة الحكومة لمطاليبها رافعات عملاقة ترفع عن كاهلها المتعب منذ عقود الكمّ الهائل من المعوقات والمشاكل الناتجة عن تفشي البطالة والفساد وتردي الخدمات , لكنها وجدت في النهاية نفسها دون غطاء تحت سماء تمطر رصاصا وموتا اسود , فتعمدت ساحة التحرير ومدن وقرى العراق الغارقة في مستنقع الفقر والجهل والظلام بدماء الشهداء وامتلأت رئة العراق الجريح برائحة الموت ودخان البارود . كان رد فعل الحكومة صدمة للجميع ومفاجأة لم يتوقعها احد.كما اصيب بالاحباط من صوت للاحزاب الدينية التي مشت على درب صدام في التعامل مع مشاهد كتلك.

المالكي العائد على ظهر دبابة امريكية كان قد رأى من خلال وجوده في المنفى كيف يتعامل الساسة مع احتجاجات شعوبهم وكيف هي الوسائل لامتصاص هدير الشارع ونزع فتيل الازمات ! ولا أشك في انه تمنى تلك الممارسات لشعبه لو اتيحت له فرصة المشاركة في الحكم بعد زوال النظام . وربما رسم في ذهنه صورة وردية لعراق حضاري ينعم فيه ابناؤه برغادة عيش وأمن وسلام في ظلال ديمقراطية ناضل طويلا من اجلها ودفع اثمانا باهضة . تمنى لشعبه شكل الخدمات التي توفرها الحكومات المتمدنة لشعوبها ومظاهر الاهتمام بالصغار والكبار . وطلبة المدارس وما توفر لها من اجواء ووسائل عصريةوطرق حديثة في التربية والتعليم تتواكب وعصر العولمة والانترنت .

لم تتحمل عقليته المصابة بمرض العظمة ونفسيته المتقنعة برداء الدين ان يتحول انسان مغمور وبائع مسبحات وخواتم على ارصفة متربة متآكلة في السيدة زينب الى الرجل الاول في بلد عريق بحضارته غني بثرواته البشرية والطبيعية كالعراق . وقد كان جلّ طموحه ان يكون قائم مقام قضاء طويريج مسقط رأسه وقد عبّر عن ذلك بنفسه مرارا.

خرج العراقيون بكثافة قبل عام في عرس بنفسجي متحدين الارهاب والموت الذي حام في سمائهم كالعقاب ليرسموا بطريقتهم افق العراق الديمقراطي الجديد ولكن اللعنة كانت تلاحقهم وكأن في الذمة بقايا ديون لم تسدد وفواتير لم تدفع اثمانها بعد . عاد صدام وفي يده هذه المرة تفويض ديني بالقتل , عليه ختم رجال وضعوا العمائم فوق الرؤوس رياء , ونطقوا باسم الدين زيفا وادلى كلّ بدلوه المملوء سحتا وحراما بأن للمتظاهرين اجندات مشبوهة يقف خلفها ثالوث البعث والقاعدة ودول الجوار , لذا يتوجب سحقهم دون رحمة . كان هذا منطق طواغيت حزب الدعوة الذي سطا المالكي على قيادته وجيّره لنفسه فمشى اعضاء الحزب كالأمعات والخراف خلفه.

عاد صدام بثياب المالكي وقناع وجهه , فجرب مع الصدور العارية والوجوه التي رسم الجوع والفقر خارطته عليها كل تقنيات القسوة والبطش, ثم بارك لاجهزته القمعية حسن الاداء . هذه المباركة التي لم يسبقه اليها دكتاتور عربي ممن سقط غير مأسوف عليه ومن سيسقط لاحقا .

يبدو ان المالكي لم يقرأ تاريخ الحركات الثورية في العالم ويطلع على مسبباتها , او انه لم يعِ ما قرأه فالشعوب اذا اضيمت وديست كرامتها وسدت بوجهها دروب العيش الكريم فأنها تحطم بقبضة ابنائها جدران سجنها الكبير ,وتحيل نهار الحاكمين ليلا مدلهمّا اسودا.

لقد كشف المالكي عن جهله وتخلفه وحقده حين اصدر لقياداته الامنية والعسكرية الاوامر بالتعامل مع المشهد في ساحة التحرير بالطريقة التي يرونها ملائمة,لان هؤلاء الرعاع سكان بيوت الطين والصفيح تحدوا ارادته وخرجوا مسالمين يتظاهرون , انحصرت مطاليبهم بتأمين الخدمات الضرورية والبطاقة التموينية التي من خلالها يمكنهم التواصل مع الحياة. حملوا الامل في التغيير والورود واغصان الزيتون وضمائر نقية تتغنى بحب العراق النازف دمه وفوانيس تومئ لانعدام الكهرباء والوقود في وطن يسبح في النفط وفيه يغرق .

اندفع الهمج من بقايا جندرمة هولاكو وتيمورلنك للتعامل مع محتجي ساحة التحرير بلغة الرصاص والموت . وبدا المشهد وكأننا امام فيلم سينمائي استخدم فيه مخرجه كل انواع التقنيات الحديثة التي وفرها العلم .

نحن امام مروحيات تحلق على علو منخفض جدا لتزرع الخوف والرعب في صفوف النساء والاطفال والشباب فيضطرب التوازن ويسقطون على ارض ساحة التحرير , واخرى تنفث الدخان والغازات الخانقة , فما اشبه الليلة بالبارحة , فصدام الامس يقصف حلبجة , القرية الكردية وهي تنام وادعة في حضن كردستان بغاز الخردل السام , وصدام المالكي بالغازات الخانقة . أي مفارقة تلك واي صلفٍ بان على وجه الاسلامي قائد حزب الدعوة .

عضّ الشباب على اصابعهم ندما على سوء الاختيار , شدوا نزيف جرحاهم بثيابهم الخرق , وحملوا الشهداء وهم في شك مما يحدث . صمتُ عاهرُ اشرف منه العاهرات يلف ّ الجميع . لا استثني احدا , فالشريف هو الذي ترك الحلبة مبكرا احتجاجا ونأى بضميره. استفاق الشارع من هول الصدمة , وتأمل في برلمانه الذي خاطر بحياته وركب الموت من اجل ان يرى النور شيئا لكن البرلمان العتيد ببيادقه واصنامه قرر الذهاب بأجازته رغم دموية الحدث وتراجيدية الموقف . وقبل أن يغلق باب حانوته , اطلّ علينا اطلالة خجولة دون حياء ومن اين يأتيه الحياء ! اطل يحتج على القمع في البحرين وقد سقط فيها بضعة قتلى – لا استهين بالشهداء – على مدار الايام , ويتعثر في الكلام كمن فيه تأتأة عن شهداء اليوم الاول وقد جاوز العشرين في ساحة التحرير.

ان الادانات الخجولة التي فاه بها البرلمانيون لا تدفع عنهم تهمة المباركة على ما حصل والمشاركة في رسم المشهد . أي نفاق اكثر واوضح من هذا ! وأية طائفية مقيتة تنخل موتا اصفر اكثر من هذا !. لقد سقطت كل الاقنعة وبانت الوجوه . رمادية كالحة رسم العهر عليها ملامحه , كما تعرت التيارات الدينية التي ركبت موجة الطائفة والدين وقتلت وهجرت الالاف بأسمها اقول : ان ايقاع الحياة تغير كثيرا فالعراقي اليوم اكتسب خبرة وازداد معرفة بما يدور خلف الكواليس فحاسة شمه لا تخطئ , وما عاد زيف الشعارات والوعود ينطلي عليه , كما ان السنوات السبع التي مرت زوّدته بثقافة انتخابية تؤهله ان يحسن الاختيار .ان الخيار في الانتخابات القادمة لن يكون بالتأكيد للطائفة والعشيرة والقرابة والمذهب والقومية ولا لعامل الجغرافية .سيكون الاختيار لمن يصنع من جسده جسرا لعبور هذا الشعب الذي ضحّى الكثير ولم يحصل حتى على القليل . لقد ايقن المواطن عن تلمس ان الدين لله والوطن للجميع وعلى رجال الدين ترك السياسة لرموزها ويتفرغوا لامور دينهم.لقد استفاق الشعب من خدره الروحي على رصاص حزب الدعوة يحصد شبابه المسالم , وقيادة الحزب ورجالاته في خرس , وهي تتفرج من على سطوح الابنية في مشهد درامي قلّ نظيره . جوع يفتك بالاجساد الخاوية . وامراض لا اسماء لها , طفولة مشردة , ايتام وارامل , أميّة وجهل . بطالة الى جانب أمن مفقود , ثم فساد فاحت روائحه وهو يرى ويسمع بثرواته التي لم تسخّر لتحسين نمط حياته وتغيير صورته امام العالم تذهب الى جيوب رجال حزب الدعوة وهم يهربون بها الى الخارج بعلم من النظام وبمباركة منه , حتى ان رأس النظام اصابه خرس فلم يعلق بكلمة على ما حدث , وهو يرى اعضاء في حزبه سرقوا الجمل بما حمل ,

استميح السيد المالكي عذرا , اذ اسجل في دفتر يومياته دون اذن منه على الذمة وللتاريخ , فاقول : ان اصرارك سيدي الكريم على رئاسة الوزراء لولاية ثانية يخفي وراءه مشروعا طائفيا , هو العمل على تمكين حزب الدعوة الذي سطوت على قيادته من التحكم بكل مفاهيم الدولة من خلال زرع بيادقك – كما كان يفعل صدام- في جميع مرافقه الحيوية يؤكد ذلك اصرارك على ابقاء محافظين فاسدين في مناصبهم رغم رفض الشارع لهم , حتى انك ارجعت محافظ واسط الذي اقالته الجماهير الى الحكم مرتين لانه من حزب الدعوة , هذا اولا .

ان دعوتك لقيام نظام رئاسي لم تكن الا لانك تريد حصر جميع السلطات في يدك لتكون الحاكم بأمره , فتمسك بكل الرقاب وتفصل شكل الحكم وفقا لمقاساتك أنت . توقظ العراقيين من نومهم متى أراد دولتكم . وتنيمهم متى شئت , ليباركوا لك لقمة عيشهم مدافةً بالوجع والمرارة يتناولونها على ضوء الشموع . ولكن الشرفاء افسدوا عليك حلمك العصيّ على القبول والتطبيق هذا . اما مجالس الاسناد التي دعوت اليها , وهبّ الشعب معارضا فقد اردت لها ان تكون ذراع حزب الدعوة الضارب لكل معارضة , وهذا ما برهنت صحته مجريات الاحداث في ساحة التحرير , حين اجلي بالقوة والضرب واستعمال الالات الجارحة والسكاكين عنها الشباب المحتج , واحتل الساحة انصار حزب الدعوة وشيوخ مجالس الاسناد بزيهم المعروف ورجال امن بلباس مدني يحملون السلاح . وهم يدافعون عن سياسة المالكي وفشله . كانت تلك مظاهرة حكومية بأمتياز , توفرت لها كل اسباب الحماية والدعم والاعلام المنافق بوجهه الرمادي القبيح .

لقد عمل السيف الوهابي في رقاب العراقيين في سجون آل سعود ما لم يفعله سيف يزيد في الحسين عليه السلام وشيعته , وقناة الفيحاء نهضت مشكورة لوحدها بجهد التعبئة من اجل انقاذ ارواح من بقي منهم على قيد الحياة ,كما كنا نسمع عبر فضائية الفيحاء الكريمة ونشاهد استغاثات السجناء بك وتوسلهم ان تعمل شيئا من اجل انقاذهم ولكن تتحرك دكة ُ غسل الموتى , اما انت فلا تهتز ٌ لك قصبه , لم تحرك ضميرك الغائب دموع الصغار وايديهم كأوراق الكرمة تحمل لافتات صغيرة وهي تتضرع اليك وتلوذ بك بأسم الابوة ان تحاول وان تسعى من اجل انقاذهم , ولا بكاء الارامل والنساء على الازواج والاولاد , وكان في وسعك عبر وساطات الاصدقاء من حكام الغرب والولايات المتحدة وبعض الحكام العرب ان تفعل الكثير .

كذلك لم تفعل الشيئ نفسه للسجناء العراقيين لدى الصفويين وفاء منك لايران التي فرضتك بقوة التدخل في الشأن العراقي لولاية ثانية.

شحة المياه في حوضي دجلة والفرات وبسببها حلّ الخراب وزحف التصحر نحو الاراضي الزراعية وجفت الاهوار ورحل ساكنوها نحو المدن بحثا عن مصادر للعيش , ماتت اشجار الفاكهة وذوت جذوع اشجار النخيل ونفق الحيوان وخاصة الجاموس الذي يعتبر مصدر الثروة والعيش الرئيسي . دمرت البيئة وتبدل المناخ وازدادت ظروف العيش صعوبة وقساوة , حدث كل هذا ولم يفكر دولة رئيس الوزراء ولم يستخدم ورقة الاستثمارات التركية وازدياد معدلات الاستيراد من تركيا وعوائد انبوب النفط المار عبر اراضيها وسيلة للضغط عليها وتوقيع اتفاقات تنظم بموجبها حصة العراق المائية من النهرين ,فلدول المصب حقوق تنظمها قوانين دولية تراعي حصتها من المياه . لقد مزق العثمانيون جسد دجلة والفرات بالسدود العملاقة , حتى صار عبور النهر الى ضفته الاخرى مشيا على القدمين لان السباحة فيه اصبحت متعذرة كمن يمشي في نزهة , والحال نفسها تنطبق على الجانب السوري ان حالة كهذه تستوجب استنفارا دبلوماسيا ودوليا وعلى مستوى الشارع العراقي والاقليمي والدولي , ومقاضاة دول الجوار المتشاطئة مع العراق امام المحاكم الدولية لحبسها المياه عنه وتجويع شعبه وتدمير بيئة , ان لم تعط الدبلوماسية ثمارها . لكن الاستنتاج الذي يترسب لدى المهتم بالشأن العراقي ان دولتكم راضٍ عما لحق بالعراق من اضرار ولعل اشدها خطورة جفاف نهرية , لانه لم يسمع تصريحا واحدا من دولتكم ولو خجولا ويتيما عن موضوع شحة المياه , في وقت اقامت مصر الدنيا ولم تقعدها عندما بدأت ازمة مياه النيل , وظهر رئيس وزرائها مرات والمعنيون بشؤون المياه والخبراء يحتجون لدى المحاكم الدولية ويشرحون من على شاشات التلفاز ابعاد الخطوة واخطار بناء سدود على نهر النيل مما يؤدي الى انخفاض نسبة حصول مصر من المياه عن النسب المقررة لها .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل