المحتوى الرئيسى

إكرام يوسف : قبل فوات الأوان

06/29 15:43

 

 

كان لابد أن تقع أحداث مسرح البالون وميدان التحرير ليلة الأربعاء حتى يتذكر البعض أن هناك ثورة قامت في البلاد بالفعل.. وبصرف النظر عمن بدأ هذه الأحداث، وهل كانت هناك مؤامرة بالفعل استدرج إليها أهالي الشهداء كما ذكر بعض شهود العياد، أم أن المشاحنات بدأت عند المسرح عفوية في بداية الأمر، ثم استغلتها عناصر بلطجية للتخريب ولتبرير تدخل الشرطة وتعاملها بعنف مع الأهالي، كما قال شهود آخرون؛ فقد أثبت تطور الأحداث أنه مازالت هناك قيادات في الشرطة لم يصل إلى علمها أن تغييرا ما حدث منذ الحادي عشر من فبراير.. ومازالت هذه القيادات تتعامل من منطلق “إحنا أسيادهم”.. وحاولت هذه القيادات تلقين المتظاهرين في ميدان التحرير درسا اعتمادا على قلة أعدادهم في بداية الأمر، لتستيقظ على واقع لم تنتبه إليه بعد.. وهو أن المصريين لن يقبلوا بعد غطرسة القوة والاستهانة بإرادتهم.

تعاملت الشرطة بعنف، أعاد للأذهان ذكريات يوم 28 يناير، فاستعاد الشباب روح الثورة التي لقنت الشرطة في ذلك اليوم درسا لن ينمحي بسهولة، وتوافدت حشودهم على الميدان، لتعيد التأكيد على الدرس في يوم 28 يونيو ـ وياللمصادفة في تاريخ اليوم!.. وخير لمن يواصلون سياسة ثبت فشهلا أن يفهموا ـ قبل فوات الأوان ـ أن شعبا استرد كرامته، لن يفرط فيها مهما كلفه ذلك من تضحيات.. وأن هؤلاء الشباب، وكل منهم  كان مشروع شهيد خلال أيام الثورة، وحملوا على أيديهم جثث اخوتهم الذين سبقوهم إلى المجد، فكسروا إلى الأبد حاجز الخوف، ولم يعد التلويح بالاعتقال أو التعذيب أو الموت يثنيهم عن استكمال ما بدأوه.

وأثبتت ليلة الأربعاء أيضا أن جماعة التليفزيون الرسمي مازالت سادرة في أوهامها، ولم تنتبه هي أيضا إلى قيام الثورة، فواصلت مع الحكام الجدد نفس ما كانت تفعله مع المخلوع.. الثورة تتجدد في الميدان والتليفزيون يذيع على احدى قنواته فيل “ليلة بكى فيها القمر” بطولة صباح وحسين فهمي!.. وهو ما يؤكد ضرورة الإسراع بتغييرات جذرية في جهازي الإعلام كما في جهاز الشرطة ـ قبل فوات الأوان أيضا ـ والتخلي عن سياسات ثبت مفعولها الساحر في تقويض نظام المخلوع، ويخشى بالفعل منهما على الحكام الجدد.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد سارع المشاهدون إلى التحول عن شاشة التليفزيون الرسمي إلى المحطات الخاضة والفضائية.. وانتقلت، بحكم ما تعودناه أثناء الثورة، إلى قناة الجزيرة مباشر.. ووجدتها ـ للأسف ـ تأخذ منحى غريبًا، يتفق مع حسابات حلفائها.. فإذا بالمتصلون يمالئون الشرطة، ويتهمون المتظاهرين بمحاولة التخريب، بل أن أحدهم ـ ويدعي أنه مصري ـ طالب الشرطة “بسحل” هؤلاء المتظاهرين، وبدت الدهشة على وجه المذيع لهول الكلمة، لكن “الأخ” المتصل قال له “إن درء المفاسد أولى من جلب المنافع”! وأضع هنا مئات من علامات التعجب.. ولم يكن مستغربا بعد ذلك أن تجد عددًا من المتصلين ينسبون هذه الأحداث إلى العلميانيين والليبراليين المطالبين بالدستور أولا، ويتحدثون عن الالتفاف على إرادة الأمة.. كما لو أن هذا وقته!.. ولم يجد مراسل القناة من يستضيفه في الميدان سوى بضع شباب واضح من مناظرهم أنهم من مرتادي ميدان مصطفى محمود، كل منهم يقول أنه سمع عن الأمر “بالصدفة”، فجاء إلى الميدان “بالصدفة”، ليشاهد “بالصدفة” المتظاهرين “بيضربوا في الأمن”، ويضيف أحدهم  بالطبع، أننا “يجب أن ننتبه للعمل وبناء البلد ونبعد عن التخريب”.. ويتحدث آخر عن أنه شاهد بالصدفة أيضا “واحدة شكلها أجنبية أو عربية المهم مش مصرية، بتحرض الناس!”.. يا ربي ألا يتعلم هؤلاء الناس!.. صحيح الغرض مرض.

خلاصة الأمر.. أنه يتعين على جميع المعنيين استخلاص العظة من تجارب “من قبلهم”.. وتعلم أهمية اتخاذ القرار الصحيح، في الوقت الصحيح، وقبل فوات الأوان.. على الحكومة والمجلس العسكري إدارك أن صبر الناس بدأ ينفد مع تباطؤ محاكمات من سرقوا البلاد وقتلوا العباد.. وأن المراهنة على مرور الوقت وملل الناس وفتور الحماس لن تجدي، فقد صار بيننا وبين النظام السابق دم يطلب القصاص، ولن نتنازل عنه.. مطلوب قرارات وإجراءات فورية ـ وقبل فوات الأوان ـ  تعيد للمصريين ثقتهم في أن نظاما جديدا قائما سوف يكون حريصا على استرداد حقوقهم.

وعلى وزارة الداخلية أن تعمل فورا ـ وقبل فوات الأوان ـ على تطهير صفوفها من المتشبثين بسياسات قديمة، ظهر أثرها في إضعاف هيبة جهاز الشرطة، ورفض المواطنين له وكراهيتهم لأفراده. عليهم أن يواجهوا أنفسهم بالحقيقة، لأن إخفائها لن يؤدي إلى تأزم الوضع أكثر مع شعب اتضح أن كرامته أعز عليه من الحياة.. ولينتبهوا لكلمات شاب تحدث إلى قناة أون تي في ليلة الأربعاء قائلا إنه فقد إحدى عينيه في 28 يناير “ومستعد أن أفقد الأخرى اليوم”.. افهموا ـ قبل فوات الأوان ـ أن هؤلاء شباب نذروا أنفسهم إما للموت أو الحرية، ولم تعد تجد تهديدات تصلهم بين حين وآخر ..  ولينتبه أفراد الداخلية إلى أن محاولات حماية من قتلوا الشهداء، والتدليس من أجل الحيلولة دون عقابهم لن تحمي هيبة الشرطة، وستؤجج مشاعر الغضب أكثر ـ حتى لو نجحوا في إغراء بعض الفقراء للتنازل عن القضايا أو حرف اتجاهها ـ  ولن تعود إليكم المصداقية وثقة الشعب إلا لو كنتم المبادرين ببتر الأعضاء الفاسد من الجسد الشرطي، وتسليم المجرمين من بين صفوفكم إلى العدالة.. تذكروا.. يجب أن تفعلوا ذلك قبل فوات الأوان!.

وعلى القوى السياسية المختلفة أن تتعلم درس مسلمي أحد ـ قبل فوات الأوان ـ وتدرك أن وقت جني الغنائم لم يحن بعد؛ .. وتبحث عن سبل توحيد الصف الوطني لإنجاز مهام الثورة أولا.. ثم بعد ذلك فليتنافس المتنافسون.

وعلى شباب الثورة أن يعودوا ـ قبل فات الأوان ـ إلى معجزتهم الحقيقية.. الثقافة الجديدة التي زرعوها في وعينا المصري والعربي.. أعني بها ثقافة “الائتلاف” وأن ينتبهوا لمحاولات الوقيعة بينهم، واستغلال الاختلافات الشخصية والعمل على تحويلها إلى خلافات!. عليهم أن يحرصوا على توحيد قبضاتهم المتعددة في قبضة واحدة قوية قادرة على توجيه ضربة قاضية لما تبقى من أسس النظام البائد، فيسقط إلى الأبد، ويفسح الطريق أمام مصر التي في خاطرنا جميعا.

 

مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل