المحتوى الرئيسى

بين النقابى والحزبى

06/29 08:20

ربما أهم ما يميز كلا من تجربة دار الخدمات النقابية والعمالية، والنقابة المستقلة للضرائب العقارية ومعهما المشروع الواعد لاتحاد النقابات المستقلة، هو هذا الوعى بأن مجال العمل النقابى ليس هو نفسه المجال الحزبى، وأن قيم العمل النقابى تختلف عن الحزبى دون أن يعنى ذلك فصل السياسى عن النقابى كما كان يروج فى العهد السابق.

إن النقابة مثل الصحف يمكن أن تكون أقرب لليسار أو اليمين أو الوسط، ولكنها لا يجب أن تكون لسان حال حزب فى اليسار أو اليمين أو الوسط، وإن التجارب التى كانت فيها النقابات العمالية جزءا من أحزاب سياسية وكانت بمثابة «الحظيرة الخلفية» لحزب سياسى كانت نتائجها سلبية على النقابة وأثرت بصورة مباشرة على مصداقيتها.

ولعل تجربة نقابة الـCGT فى فرنسا تدل على تلك الأزمة، فقد كانت هذه النقابة اليسارية جزءا من الحزب الشيوعى الفرنسى، وكانت قوية فى السبعينيات والثمانينيات حين كان الحزب قويا، ولكن بعد انهياره فى التسعينيات (انتقل من حزب يحصل على 20% من أصوات الناخبين إلى حزب يحصل على 2%) تأثرت النقابة بصورة كبيرة وفقدت جزءا كبيرا من قوتها وتأثيرها.

والحقيقة أن عدم اعتبار النقابة كيانا حزبيا أمر يختلف عن كونها كيانا يجب أن ينفصل عن السياسة، فالدفاع عن مصالح العمال يعكس موقفا سياسيا، وتصورات سياسية، والضغط والتفاوض من أجل تطبيقها أمر مشروع على أى نقابة القيام به.

يجب أن تدخل مصر مرحلة جديدة تطور فيها النقابات العمالية من مهاراتها التفاوضية، بعد أن انتقلت البلاد بعد ثورة 25 يناير من معركة الضربة القاضية التى أسفرت عن إسقاط رموز النظام، إلى معركة بالنقاط هدفها بناء النظام على أسس جديدة، تحول ما كان يعرف سابقا «بالخطر السياسى» على النظام إلى صراع سلمى على السلطة بين مختلف الأحزاب والقوى السياسية، وتلعب النقابات دور الداعم لخيارات سياسية بعينها، والرافض لخيارات أخرى وفقا لتوجهها الذى يجب أن ينطلق من احترام قواعد العمل النقابى ومصالح العمال.

إن مصر الجديدة يجب أن تنسج علاقة جديدة بين «مثلث النهوض»: الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية، وإن الأدوار التى اضطرت أن تلعبها كل من النقابات والجمعيات بديلا عن دور الأحزاب حان وقت تنظيمها، لأن الأحزاب كانت محاصرة بالأمن نتيجة الطبيعة غير السياسية للحكم السابق الذى نجح فى إنهاء دورها، فدفع النقابات والجمعيات الأهلية إلى ممارسة أدوار حزبية (وليس فقط سياسية) أضرت بالنقابات والأحزاب معا، وتحولت معها الساحة السياسية الشرعية إلى نموذج نادر للفراغ والفوضى.

إن الطبيعة السياسية لأى نظام جديد قادم فى مصر تستلزم أن تكون الفروقات واضحة بين أطراف «مثلث النهوض»، فالأحزاب تمارس السياسة بغرض الوصول إلى السلطة، والنقابات تمارس السياسة من خلال الدفاع عن مصالح أعضائها والارتقاء بقدراتهم ومهاراتهم، والجمعيات الأهلية تدافع عن قيم ومبادئ، أو تحل مشكلات قد تناستها الأحزاب أو النقابات فى غمرة نشاطها اليومى.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل