المحتوى الرئيسى

التورتة

06/29 08:20

بآخر خمسين جنيهاً فى جيبه اشترى (رضا) هذه التورتة من محل الحلويات. يحتاج هذه اللفافة ليستطيع أن يصعد العمارة دون أن يرتاب فيه البواب. سيزعم أنه عامل لتوصيل الطلبات، وهو العمل الذى مارسه كثيراً، وفصلوه كثيراً بسبب (دهولته)! فى معظم المرات كان الطعام يصل معجوناً فيرفض الزبون تسلّمه، ويدفع «رضا» الحساب من جيبه، ثم يفصلونه.

يسرق! «رضا» يسرق! «رضا» الطاهر، الطيب القلب يسرق! الحقيقة أن السرقة لم تكن قطَّ فى مخططه. كل الحكاية أن أمه أيقظته فى إلحاح وهو يريد أن يواصل النوم. لم تكن تعلم أن النوم جافاه الليلة الماضية حتى الفجر. يتحجج أمام نفسه بالحر الخانق، والحقيقة أنه كان يبكى. كلما تذكر بخته المايل وفشله فى كل مهنة خنقه البكاء و(صعبت عليه روحه)!

ظلت أمه تهزه كى ينهض ويبحث عن عمل، وهو يتوسل إليها أن ترحمه، حتى فقد أعصابه وانفجر فيها. بكت أمه فراح يبكى جوارها. ثم ارتدى ثيابه وخرج بسرعة مصمماً على الحصول بأى وسيلة على عمل.

وفجأة تذكر «المهندس سامى»، وتذكر حواراً سمعه بالصدفة وهو ذاهب لتسليم الطلبات عن شقته الشاغرة معظم العام لسفره بالخارج. ولأول مرة يفكر أن يسرق الشقة. لكن بواب هذه العمارة مُدقق. لذلك اشترى بآخر نقود لديه هذه التورتة ليتظاهر بتوصيل الطلبات ويتمكن من الصعود.

لكنه حين دلف إلى العمارة لم يجد البواب. شعر بالندم على الخمسين جنيهاً التى أنفقها بلا جدوى. دلف إلى المصعد وقلبه يدق بقوة. معقولة ستسرق يا «رضا» وأنت الصالح الطيب! طفرت دموعه وهو يتأمل صورته فى مرآة المصعد: قصيراً، نحيفاً، برىء الملامح، تبدو عليه طيبة القلب وقلة الحيلة.

توقف المصعد عند الطابق العاشر ورجلاه كالمكرونة الطرية. الطابق مكون من أربع شقق فأيها شقة الأستاذ سامى؟ يا رب ساعدنى هذه المرة فقط من أجل أمى. دق جرس إحدى الشقق وسرعان ما فطن إلى خطئه. ماذا سيقول لمن يفتح له الباب؟ أين شقة المهندس سامى لأسرقها! وحتى إذا عرف الشقة فكيف سيدخل إليها؟! السرقة ليست من أعمال الهواة يا «رضا». أنت فاشل فى كل شىء حتى فى السرقة.

وقبل أن يفر هارباً وجد الباب قد انفتح. سأل متلعثماً عن شقة المهندس سامى فرد عليه بأنه المهندس سامى. أوشك أن يُخطئ ويسأله: متى عدت من السفر؟ تلعثم وأعطاه التورتة، فقال إنه لم يطلب شيئاً وأغلق الباب فى وجهه.

حينما خرج من البيت المخيف جلس على الرصيف يبكى! يبكى من السعادة، لأنه لم يصبح سارقاً. ولاحت له ملامح أمه الطيبة، فقال بصوت مسموع: «أنا طيب يا أمى ولكنّ الدنيا تعاندنى»، ثم فجأة تذكر التورتة، وتذكر أن أمه لم تأكل أى حلوى منذ عهد بعيد، فسار حاملا التورتة، والدموع لم تزل تتساقط من عينيه، ليطوى الطريق فى خطوات نشيطة، مُسرعا إلى أمه.

aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل