المحتوى الرئيسى

الأزهر والمثقفون المصريون

06/29 00:30

لم أستطع لأسباب خارجة عن إرادتي تلبية الدعوة الكريمة التي وجهها إلي الأستاذان الفاضلان الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر‏,‏ والمفكر الإسلامي الدكتور محمود زقزوق لأشارك في اللقاءات التي انعقدت أخيرا تحت رعايتهما في الأزهر وشارك فيها نخبة من علمائه ومن المثقفين المصريين

ودار فيها الحديث حول المسائل التي طرحتها علينا بشدة ثورة يناير, ومنها: مدنية الدولة. ومبدأ المواطنة, وديمقراطية الحكم, وعلاقة الدين بالدولة, وحرية التفكير والتعبير والاعتقاد, وسواها من المسائل التي انتهي المشاركون في اللقاء إلي أفكار حولها صاغوها في الوثيقة التي أعلنها شيخ الأزهر يوم الثلاثاء الأسبق, واعتبروها إطارا حاكما نتحرك داخله وأساسا نبني عليه مستقبلنا.

وسوف أناقش ما جاء في الوثيقة المهمة التي أكدت إيمان المشاركين في صياغتها بالحرية, والعدالة, والمساواة, وانحيازهم للدولة المدنية والديمقراطية, واعترافهم بأهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الأزهر والمثقفون في تثبيت هذه القيم والعمل بمقتضاها. لكن الوثيقة مع تأكيدها علي هذه القيم المتفق عليها لم تخل مما لابد أن نقف عنده ونناقشه, لأنه يبدو لنا غامضا, أو بعيدا عن الواقع وعن المباديء والقيم التي تتبناها الوثيقة في بعض ما جاء فيها, وتنقضها في البعض الآخر.

ومن الواضح أن لقاء الإمام الأكبر بالمثقفين كان استكمالا للقاءاته التي سبقت بالإخوان والسلفيين. أو أنه كان بالأحري تعقيبا أو استدراكا أو نفيا للمعني السلبي الذي فهمه بعضنا من هذه اللقاءات السابقة التي بدا فيها الأزهر وكأنه يتحالف مع جماعات الإسلام السياسي ويتبني شعاراتهم. ونحن نعرف عمق الهوة الفاصلة بين المثقفين المصريين المدافعين عن الحرية والعقل وجماعات الإسلام السياسي الساعية للانقلاب علي النهضة وإعادتنا إلي عصور الظلام. فإذا كان الأزهر مضطرا في هذه الأيام لأن يستقبل من يمثلون هذه الجماعات فقد أصبح مضطرا في المقابل لأن يستقبل المثقفين المصريين ويستمع لهم ويحاورهم ويصل معهم إلي أفكار وتصورات حاول أن يوفق فيها بين وظيفته الأساسية كمؤسسة علمية متخصصة في الدراسات الإسلامية والعربية ووظائفه الأخري التي يمارسها بحكم أنه مؤسسة مصرية لها ارتباطاتها الوثيقة بحياة المصريين وتاريخهم. فإذا أمعنا النظر في اللقاءات التي تمت بين رجال الأزهر وممثلي الجماعات الدينية من ناحية, وبينهم وبين بعض المثقفين من ناحية أخري, قلنا إن هذه اللقاءات كلها مبادرة جديدة أراد بها الأزهر أن يصحح من سياسته التي كان فيها أداة من أدوات النظام الذي سقط يأتمر بأمره, ولا يملك القدرة علي أن يبادر بعمل أو يستقل برأي. لقاءات رجال الأزهر بالجماعات الدينية المحظورة في ظل النظام السابق وبخصومها من المثقفين علي اختلاف اتجاهاتهم سعي لتحقيق التوازن والاعتدال, واستعادة القدرة علي ممارسة الدور وأدائه كما يجب, ووراء هذا المسعي الدكتور أحمد الطيب الذي نعرف عنه ثقافته واستنارته واستقامته. لقد استقال من حزب النظام قبل أن يسقط النظام. وندد بتشدد المذاهب الصحراوية وفقرها غير عابيء بمن سيغضبهم كلامه في داخل البلاد وخارجها. والدكتور الطيب إذن جدير بأن يستعيد للأزهر ما فقده.

إذا كانت هذه الأهداف التي توخاها الإمام الأكبر في لقاءاته بزعماء الجماعات الدينية وزعماء الاحزاب والمثقفين فنحن امام مرحلة جديدة من حياة الأزهر تحتاج قبل كل شيء إلي أن يراجع الأزهر تاريخه ويصحح ممارسته لوظيفتيه اللتين نتمني له النجاح في النهوض بهما: إحياء علوم الدين وتجديدها والاجتهاد فيها من ناحية, وتربية الضمائر وتحرير العقول من ثقافة الخرافة والطغيان والمشاركة في النشاط العام من ناحية أخري. وفي الوثيقة الصادرة عن لقاء علماء الأزهر والمثقفين المصريين ما يدل علي وعي كامل بحاجة الأزهر لمراجعة نفسه واستعادة دوره.ومن الطبيعي أن تتحدث الوثيقة عن تراث الأزهر وما أداه للإسلام وللمصريين من خدمات باقية أسهم فيها شيوخه وأبناؤه من أمثال العطار, والطهطاوي, ومحمد عبده, وسعد زغلول وسواهم. لكن الوثيقة تجاهلت أسماء لم يكن يصح أن نتجاهلها ومنها طه حسين, وعلي عبدالرازق, وخالد محمد خالد الذين تعرضوا لاضطهاد عنيف علي أيدي شيوخ آخرين من شيوخ الأزهر رضوا بأن يكونوا سياط عذاب في أيدي الطغاة والجلادين. فاذا كانت الوثيقة قد تحرجت من أن تذكر هؤلاء الشيوخ بأسمائهم فليس أقل من أن تتبرأ من أخطائهم وأن ترد الاعتبار لضحاياهم.

ولست في حاجة لأدلل علي حاجتنا لمراجعة النفس وإعادة تقييم العمل, لأن الخبرات يكمل بعضها بعضا, ولأن الوعي بالخطأ يساعد علي التحرر منه وإلا استفحل وتحول إلي مرض متوطن. والأزهر في مقدمة المطالبين بالمراجعة, لانه بالنسبة لعامة المصريين قدوة وامام, يصيب فيصيب المؤتمون به, ويخطيء فيخطئون وقد رأينا كيف رضي بعض الأزهريين بالسير في ركاب النظام الساقط. وكيف خدم بعضهم الآخر نظما أخري ليست أقل سوءا وفسادا. وكيف اندفع آخرون في تيار التطرف والعنف. والنتيجة فقدان الثقة وتراجع الدور.

من هنا تحدثت الوثيقة الصادرة عن لقاء الأزهر بالمثقفين عن تأييد مشروع استقلال مؤسسة الأزهر, وقيام هيئة كبار العلماء باختيار الإمام الأكبر, والعمل علي تطوير مناهج التعليم الأزهري ليسترد الأزهر دوره الفكري الأصيل وفي هذه الفقرة اعتراف بالسلبيات الموجودة, لكنه اعتراف ضمني لايصلح اساسا للخروج من الوضع الراهن والسير في طريق المستقبل المنشود, والأزهر يستحق من أهله اعترافا صريحا يقوم عليه نشاطه في المرحلة القادمة.

ولقد اعترف الفاتيكان بأخطائه واعاد الاعتبار لمن اتهمهم بالهرطقة مع أن البابا معصوم في نظر المسيحيين الكاثوليك فلماذا لا يعترف الأزهر الذي لايدعي العصمة بما وقع فيه من اخطاء؟

لماذا لا يعلن الأزهر أن طه حسين كان علي حق حين قال ان القرآن الكريم ليس مرجعا في التاريخ؟ ولماذا لايعلن الأزهر أن علي عبدالرازق كان علي حق حين قال ان الخلافة ليست من أركان الإسلام؟!

أيهما نصدق؟

قرأت الكلمة التي نشرتها الأهرام يوم الاثنين الماضي في هذه الصفحة للسيد أحمد عزالدين بعنوان حجازي وشهادة البشري بحق الإخوان وفيها ينبهني إلي أن المستشار طارق البشري غير رأيه السلبي في الإخوان وعبر عن رأي آخر نشره في الطبعة الثانية من كتابه الذي تضمن شهادته الأولي فيهم وأنا لم أكن في حاجة إلي تنبيه لأعرف أن المستشار تراجع عن رأيه الأول في الإخوان وفي غير الإخوان. لكني لم أجد في آرائه الجديدة ماينسخ شهادته الأولي فيهم لان الوقائع والوثائق التي وردت عنهم في الطبعة الأولي ظلت ثابتة. وهي الاساس الذي اعتمد عليه في رأيه الأول كما اعتمدت عليه فيما قلته عن الإخوان.

الإخوان وقفوا مع الملك فؤاد في سعيه لان ينصب نفسه خليفة للمسلمين ضد المثقفين والسياسيين المصريين الذين وقفوا في وجه هذه المحاولة الهزلية والإخوان تحالفوا مع حكومة صدقي ومع غيرها من الحكومات الرجعية التي اعتدت علي الدستور والإخوان حاربوا النظام الديمقراطي, وخلطوا الدين بالسياسة, ووقفوا ضد الوطن والانتماء الوطني والمواطنة وحقوق المرأة والدولة المدنية والحريات العامة ولجأوا إلي العنف, والاغتيال!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل