المحتوى الرئيسى

الجاسوس الثّائر! بقلم:صلاح حميدة

06/28 23:38

الجاسوس الثّائر!

صلاح حميدة

يطلق خبراء الأمن في العالم على الحرب الدّائرة بين أجهزة المخابرات " حرب الأدمغة" وكلمة المخابرات بالعربية تدور حول مشتقّات الخبر والمخابرة وما يتفرّع عنهما من عمليّات بحث وتفكير وصراع، أمّا في اللغة الإنجليزيّة فتدور حول الذّكاء والأذكياء، ففي الدّول المتقدّمة والدّول التي تحكمها شعوبها، وتحرّك ساستها مصالح دولهم، لا يعمل في أجهزة المخابرات إلا أذكى الأذكياء، حيث يتمّ انتقاؤهم بعناية من مرحلة المدارس الثّانوية ومن الجامعات، فقد ذكر أحد عملاء المخابرات السّوفيّاتية أنّه تمّت رعايته وهو طالب في الثّانوية والجامعة حتّى أتمّ كافّة التّدريبات اللازمة ليصبح ضابطاً محترفاً في ال كي جي بي، بل ذكر أنّ بعض الضّباط المحترفين كانوا نتاج عمل متواصل منذ الصّبا حتّى بلغوا ما بلغوا من القيام بعمليّات بالغة السّريّة في العالم.

هذه الرّعاية من قبل الدّول المتقدّمة - ومن ضمنها الدّولة العبريّة- مكّنت تلك الدّول من اختراق صفوف أعدائها، ومن إلحاق الهزائم المتتالية بهم، بل مكّنتها من إحباط الكثير من خططهم واستعداداتهم للحرب عليها، وفي حين كانت الحرب الباردة تدور بين معسكرين كبيرين يتحاربان عن طريق المخابرات، فقد كانت حربهما عبارة عن " حرب أدمغة" وكانت الحرب سجال بين الطّرفين، حتى انتصر المعسكر الغربي.

في صراع العرب مع الدّولة العبرية، كانت المخابرات العبريّة تتقدّم على نظيراتها العربيّة بالكثير من الخطوات، وهذا نابع من العديد من العوامل التي يتوجّب ذكر بعضها للأهمّيّة:-

* الإمكانيّات المفتوحة من الغرب الإستعماري وبعض الشّرق الشّيوعي (سابقاً) لدعمها بالخبرات والإمكانيّات والتّنسيق وتبادل المعلومات والمشاركة في بعض العمليّات.

* إهتمام صنّاع القرار في الدّولة العبريّة بتجنيد ضبّاط وعاملين من النّخب العلميّة، وأصحاب المهارات المتنوّعة التي تمكّن من تحقيق الأهداف الموضوعة بكل سهولة، بالإضافة للتركيز على النّوع لا الكم في التّجنيد، والإبتعاد عن التّجنيد على أسس غير مهنيّة.

* عقيدة هذه الأجهزة تقوم على تحقيق أهداف دولتهم والفتك بأعدائها ومدّها بأسباب الحياة، ولذلك يعمل عناصر تلك الأجهزة بتوافق تام لتحقيق الأهداف والمهمّات المناط بهم تنفيذها، يتعاون اليساري مع اليميني بلا حساسيّات، ولا يعملون بأجندة حزبيّة، ولا ضدّ أحزاب منافسة، فالمنافسة في البرلمان وحلبات السّياسة، ولا مكان لها في أجهزة الأمن والعسكر. فعندما تفقد أجهزة مخابرات الدّول بوصلتها، وتبدأ بقمع واستهداف شعبها، تقع تلقائيّاً في دائرة الفشل الذّريع في اختيار الأفراد وفي الممارسة والمنهج على أرض الواقع، وتصبح أرضهم مشاعاً لكل أجهزة الاستخبارات المعادية، وهذا ما يجري في أغلب الدّول العربيّة، إن لم يكن كلّها.

* المحاسبة واستخلاص العبر، من أهم مرتكزات العمل النّاجح، وبالذّات في العمل الأمني، فهذه قاعدة أساسية في عمل أجهزة استخبارات أعداء العرب. فأي جهاز لا يعتبر من أخطائه، ولا يحاسب مقترفيها، يقع تلقائيّاً في قاع التاريخ مهشّماً عاجزاً. فكيف إن تمّ ترقية الفاشل وإبعاد النّاجح؟ فقد ذكر قبل فترة أنّ ضابطاً رفيعاً في دولة عربية اكتشف شبكة اتصالات تجسّسيّة إسرائيليّة متطورة، فتمّ إبعاده من منصبه على الفور، لا أدري هل هذا ثواب أم عقاب؟!.

سنظلم المخابرات العربيّة إن قلنا أنّها عاجزة تماماً عن تحقيق المعايير التي يتقنها أعداؤها، ولكن من الإنصاف والموضوعيّة كذلك أن نرسم لها صورتها التي تظهر بها، وتمييز الصّالح منها عن الطّالح، ووضع وسام على صدرها لإنجازاتها، وانتقادها وتصويبها لإخفاقاتها. فالمخابرات العربية قامت بعمليّات نوعيّة كثيرة خلال الصّراع الطّويل مع الإحتلال، وحقّقت إنجازات ووقعت في إخفاقات، ولكن من المؤسف القول أنّ قائمة الإنجازات ليست كبيرة، في مقابل الإخفاقات الكثيرة. فالأولويّة الأولى لغالبيّة أجهزة المخابرات العربيّة هي ملاحقة والقضاء على المعارضة السّياسية وخصوم النّظم الحاكمة، ولا مكان تقريباً للصّراع مع الإحتلال في أجندة وعقيدة تلك الأجهزة.

خلال الفترة الماضية تمّ الكشف عن الكثير من الجواسيس في لبنان ومصر وسوريا والسّودان وقطاع غزة، ولا نكاد نسمع عن الإمساك بشبكة حتّى نسمع عن أخرى، وباعتقادي أنّ القائمة تطول وستطول، وبالرّغم من الحالة الإحتفاليّة التي ترافق هذه الإعلانات إلا أنّها تدلّ على شبه عجز في قدرات الكثير من أجهزة المخابرات العربيّة. فالإنجاز الحقيقي لأي جهاز مخابرات يكمن في تجنيده لعناصر مهمّة في صفوف أعدائه، وتحقيقه لأهداف مهمّة في ساحة الصّراع، بالإضافة إلى إحباط العمل التّجسسي والسّيطرة على كافّة خيوطه قبل بدء العمل، وليس اكتشافه بعد أن تكون ( الفأس قد وقعت في الرّأس).

وما يفسّر حالة الشّعور بالنّقص التي تعيشها الكثير من أجهزة الأمن العربيّة، ما تقوم به من تقديم معلومات مجّانيّة للأجهزة المخابراتية المعادية، من ذكر تفاصيل عثرات الجواسيس وكيفية إلقاء القبض عليهم، وهذا يمكّن تلك الأجهزة المعادية من ( استخلاص العبر) وتلافي الأخطاء التي أدت لكشف جواسيسها، فليس مطلوباً من أجهزة المخابرات العربيّة تقديم محاضر وتفاصيل تلك االقضايا، وقيمتها تكمن فقط ببقائها سرّيّة.



تستمر قضيّة الضّابط الإسرائيلي الذي ألقي القبض عليه في مصر في التّفاعل على الصّعد الأمنيّة والدّبلوماسيّة والإعلامية والشّعبيّة، وبينما تتهمه السّلطات المصريّة بالتّجسس عليها، مرفقةً ذلك بحملة إعلامية كبيرة، تعمل دولة الإحتلال على تسفيه القضيّة ونفي التّهم عن جاسوسها، مدّعيةً أنّ عمل جواسيسها أكثر احترافيّةً بكثير، وتصرّفات هذا ( الفتى غريب الأطوار) ترقى لأعمال الهواة، ولا علاقة لها بالعمل المخابراتي الإسرائيلي البتّة.

قد يقتنع المرء بالمنطق الإسرائيلي مؤقّتاً، قبل أن يبدأ بالتّفكير بالموضوع بجدّيّة وبشمول أكثر من المشهد المعلن، فمن خبر حرص الإسرائيليين على العمل بدقّة وتمويه متناهي، قد يصل لاستنتاج يقترب من الدّفاع الإسرائيلي عن هذا المتّهم بالتّجسّس، ولكن هل أعمال التّجسّس كلها مثل اغتيال المبحوح في دبي؟ وهل كلّها مثل محاولة اغتيال مشعل؟ أو اختطاف ضرار أبو سيسي؟ أو مثل اغتيال الشّقاقي وأبو جهاد وغيرهم؟ وهل من عادة دولة الإحتلال أن تعترف بجواسيسها المضبوطين في قضايا مماثلة؟.

يعرف العرب أنّ الدّولة العبرية اخترقتهم عن طريق إيلي كوهين، وبالتّأكيد يوجد غير إيلي كوهين في العالم العربي، فالكثير من الجواسيس يتنقّلون في العالم العربي بهويّات وتغطية مختلفة، يتقنون اللغة العربية والشّعائر الإسلامية بدقّة، يتحدّثون بلهجات النّاس ويعرفون عاداتهم وتقاليدهم، فقد ذكر رئيس جهاز المخابرات الإسرئيلي السّابق يعقوب بيري أنّه تلقّى تدريبه العملي الأول في بيت أحد بيوت عملاء الإحتلال في قرية عربيّة، وأنّه عاش معهم فترة طويلة كقريب للعائلة أتى من الخارج، وتشرّب العادات العربيّة منهم، حتّى أنّ قائداً عسكرياً شاهده وهو يعيش في بيت تلك العائلة، تفاجأ عندما رآه بعد فترة في إجتماع أمني، وتساءل:- ( ماذا يفعل هذا العربي هنا؟)..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل