المحتوى الرئيسى

الجزيرة والثّورة بقلم:صلاح حميدة

06/28 23:25

الجزيرة والثّورة

صلاح حميدة

"كل هذه المشاكل من علبة الكبريت هذه" .... بهذه الكلمات علّق الرّئيس المصري السّابق حسني مبارك لدى زيارته لمقر قناة "الجزيرة" الفضائيّة في الدّوحة في تسعينيّات القرن الماضي، بعدها زادت حدّة الخلافات بين النّظام المصري وبين قطر -حاضنة الجزيرة- وبين "الجزيرة" المؤسّسة الإعلامية نفسها كذلك، وتمّ شنّ حملات إعلامية كبيرة على القناة ومن يقفون وراءها، بلا طائل، وتحالفت غالبيّة الأنظمة العربيّة ضد القناة، وعملت قدر ما تستطيع لمنعها من الإستمرار في سياستها الإعلامية التي لعبت على المكبوت السّياسي لدى العرب، بينما لعب غيرها على المكبوت الجنسي بقنوات للخلاعة تعمل على مدار السّاعة.

عملت (الجزيرة) تحت شعار " الجزيرة منبر من لا منبر له" وتحت شعار "الرّأي والرّأي الآخر" وهذه شعارات جالبة للمشاكل في واقع مشبع بالإستبداد والفساد والعمالة للغرب، ولذلك واجهت "الجزيرة" مشاكل وعثرات، و إتهامات ومبالغات، وواجه مراسلوها ضرباً واعتقالاً وملاحقات، قتلاً وتشويهاً وإغراءات لخيانتها والتّجسّس على زملائهم.

فتحت "الجزيرة" أبوابها أمام ما كان يعرف بالحالة الثّوريّة في العالم العربي، فأفردت مساحات واسعة لأصحاب الفكر على اختلافاتهم، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن المطالبين بالإستبداد إلى الدّاعين للحرّية، من المتديّنين إلى غلاة العلمانيّة، من المقاومين ومن عرفوا بالإرهابيّين إلى المحتلّين والمستعمرين، من المستبدّين إلى المواطنين المقهورين المطاردين، جمعت "الجزيرة" كل تلك التّناقضات في حالة ثوريّة إعلاميّة لم يسبق للإعلام العربي أن عاشها، وقامت بدور رائع في إثراء الحالة الفكريّة والسّياسيّة العربيّة، وأجبرت المستبد الّذي يسكن في عقول وأجساد وقلوب الكثير من العرب على مشاهدة ومحاورة نقيضه رغماً عنه.

هاجم "الجزيرة" الكثير من الّذين لم يعجبهم خطّها التّحريري، ولكنّهم كانوا - ولا زالوا- يتراكضون لمقابلة على شاشتها، أو لمداخلة عبر أثير قناتها، فيما حظي المظلومون والمقهورون والمضطهدون - من الأفراد والتّنظيمات المقاومة للإحتلال والإستعمار- لمنبر يقولون من خلاله كلمتهم وفكرتهم وتفسيراتهم، ولم يعودوا بلا منبر إعلامي، وفتحت لهم أبواب العالم عبر "الجزيرة" وهذه حقيقة لا ينكرها إلا جاحد.

الأنظمة العربية والإسلاميّة التي كانت تنسب نفسها للجماهير وللحالة الشّعبيّة الثّوريّة، حظيت بمنبر إعلامي لا مثيل له لتقول من خلاله كلمتها، فإعلامها المتحجّر لم يكن باستطاعته طرح وجهة نظرها كما كانت تقدّم عبر "الجزيرة" أمّا الأنظمة التّقليديّة وبعض من عرفت نفسها بالثّورية، فقد عملت على فعل كل شيء لمنع "الجزيرة" من تأدية رسالتها، وأنشأ بعضها فضائيّات لمنافستها، في حين فكر جورج بوش بقصف مقرّها في الدّوحة، بعد أن قصف مكاتبها في أفغانستان والعراق.

شكّل ربيع الثّورات العربية مفصلاً هامّاً في مسيرة "الجزيرة" الإعلاميّة، فقد لعبت الجزيرة دوراً مهمّاً في تغطية الشّأن الثّوري في تونس ومصر بدايةّ، وهذا جلب غضب النّظامين عليها، ولكن نجحت الثّورة في نهاية المطاف، بعدها تفجّرت الثّورة في كل من اليمن وليبيا والبحرين وسوريا، تباطأت "الجزيرة" في بداية الثّورات جميعها في التّغطية، ولكنّها كانت تضع ثقلها في تغطيتها بعد ذلك، فقد يكون ذلك ببالغ الحذر والتّأكّد من استمرارية الفعل، أو لكون بعض الثّورات قامت في دول كانت لوقت قريب أقرب الأقربين للجزيرة، ولكن في الحالات السّابقة كانت "الجزيرة" تهاجم من تلك الأنظمة، قبل أن تبدأ بتغطية أخبار الثّورات، وبعدها، ويؤخذ على "الجزيرة" عدم تغطيتها لأخبار الإحتجاجات في البحرين بشكل يماثل نظيراتها في دول عربيّة أخرى، بل يتمّ اتهامها أنّها تحابي الملكيّات وتستهدف الجمهوريات، وتتّهم بأنّها جزء من حالة استهداف وتآمر من قبل الغرب والدّولة العبريّة ومجموعة من الإسلاميّين وبعض الأنظمة الملكيّة العربيّة، بل تتّهم بفقدان المهنيّة في تغطيتها للأحداث الجاريّة، وتركيزها على رأي واحد، بل بالمشاركة في توتير الأوضاع هادفةً لمنع الحلول الوسط، من خلال تهييج الجماهير، ووتتّهما بعض الأنظمة المتحالفة مع أمريكا وإسرائيل بأنّه عبارة عن بوق للحركات الإسلاميّة والقاعدة وهي سلاحهم للسّيطرة على العالم العربي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل