المحتوى الرئيسى

من يزرع الشوك لا يجني إلا الحنظل بقلم:د. خالـــد الخاجــــــة

06/28 20:04

لأن الأمر جد والقضية تستحق التناول، فإنني أطرح تساؤلًا: هل من الممكن تنمية الإبداع أو تربية مبدع، وهناك جملة من المعوقات التي نغرسها بأيدينا لتمثل حائط صد يتحطم على جدرانه كل راغب في أن يقدم شيئاً جديداً؟

وأعتقد أن مؤسسات عديدة ترتكب جملة من الأخطاء أو المثبطات التي تقيد أبناءنا منذ الصغر، منها أننا لا نرى في أبنائنا، في كثير من الأحايين، غير نصف الكوب الفارغ وندق عليه دقاً منتظماً، كأن نكرس لديهم أنهم محدودو الفكر ضعاف القدرات.

واستوقفني غير مرة واحد من أولياء الأمور يشرح لي أسباب ضعف المستوى الدراسي لابنته، فقص علي أمامها أن هذا الضعف ملازم لها منذ سنواتها الدراسية الأولى، وأن محدودية فكرها قدر كتبه الله عليها ظهرت ملامحه منذ التحاقها بالروضة المدرسية.

وأنها كانت الأقل حظاً بين أترابها، وهي تنظر إليه زائغة البصر لا تدري بماذا ترد، رغم أني كنت أرى عكس ما يقول، فقلت في نفسي إن ما وصلت إليه ابنته من ضعف دراسي، كان هو فيه الجاني الأكبر.

إن عدم الثقة التي نعمق جذورها في نفوس أبنائنا، تجعلهم يستسلمون لضعف قدراتهم وكأنها قدر محتوم. يذكرني ذلك بما كان يفعله الرجل الأبيض مع أبناء البلاد المحتلة، حين يرسخ لديهم أنهم غير مؤهلين للقيام سوى بالأعمال التي تعتمد على القوى العضلية.

وهو نفس المشهد الذي نراه اليوم حين نرى أبناء البشرة السمراء هم الأبطال فقط في الملاكمة والعدو وكرة السلة، بل منهم من ذهب أبعد من ذلك حين أطلق نظريات تؤكد أن الهيكل العظمي لجمجمة الرجل الأبيض، يختلف في شكله وحجمه عن غيره من جماجم باقي البشر.

وذهب البعض الآخر إلى أن طبيعة المناخ او درجة الحرارة تؤثر في بروز المبدعين من عدمه! وكل تلك الادعاءات لا تستند إلى منطق، وتم الرد عليها وتفنيدها وبيان دوافعها. إلا أنني أجد أن بعض الأسر تسير أحيانا على نفس المنوال، حين تعزز لدى أبنائها عدم الثقة بذواتهم نتيجة لتجربة فاشلة، على الرغم من أنه لا فشل مع إعادة المحاولة للنجاح، ولكن الفشل الحقيقي يحدث حين يتوقف الإنسان عن المحاولة ويستكين.

إننا ننسى أن أبناءنا خلقوا لزمان غير زماننا، لكننا نأبى إلا أن نجعلهم مظهرا ومخبرا، نسخا متشابهة منا في الفكر والسلوك وطريقة التعامل مع الأشياء من حولهم، على الرغم من أن ذلك ليس صائبا في جميع الأحوال. أرى كثيرا من الأسر يجلبون الألعاب لأولادهم، وعند رغبة الطفل في تعلم مكوناتها أو اكتشاف سر تشغيلها يجد من ينهره بحجة المحافظة عليها، وقد يمنعه من اللعب بها عقابا على ما أقدم عليه من رغبة في تفكيكها، وهذا عندي خطأ كبير.

إن البون شاسع بين أن ننشئ أبناءنا على قيم احترام الكبير وتوقيره، سواء في المنزل أو الشارع، وبين زرع الخوف والخجل منه، نعلمه أن يوقر أستاذه لكن لايخاف منه، يتلقى عنه العلم لكن لا يمنعه ذلك من مناقشته في ما يعن له من قضايا، ملتزماً بأدب الحوار.

فالخوف لا يصنع مفكرا ولا ينتج مبدعا. وهنا أتذكر ما حدث لأحد كبار جراحي القلب العالميين من أبناء عروبتنا، عندما قال له أستاذه أثناء دراسته في كلية الطب حين راجعه في إحدى المسائل التي يقوم بشرحها، فما كان من أستاذه إلا أن قال له: إنك لا تصلح إلا أن تكون بائعا متجولا.

وتمر الأيام ويصبح هذا الطالب المغضوب عليه أحد كبار جراحي القلب على مستوى العالم، وذاع صيته كصاحب مدرسة فريدة وطرق جديدة في جراحة القلب، وحين اعتل قلب أستاذه لم يأتمن عليه غيره ليجري له جراحة من أخطر الجراحات وأدقها.

إننا نخطئ في التعامل مع أبنائنا مرات عدة؛ مرة حين نعتمد التلقين والحفظ كأسلوب أوحد للتعليم ومقياس لا يخطئ للنبوغ والتميز، وأخرى حين نجعله يتعامل مع ما تم تلقينه إياه من معلومات على أنها مسلمات لا تقبل مناقشة.

وأتذكر حين قال تلميذ في مراحل التعليم الأولى لمعلمه في إحدى البلاد العربية: إنك تقول إن بلادنا تمتاز بمناخ معتدل طوال العام، وجلودنا تكاد تنصهر من شدة الحر طوال العام! فما كان من المعلم إلا أن صرخ في وجهه كأنه ارتكبت جرماً، وأجاب قائلًا: إن هذا ما جاء في كتاب الوزارة. وقد تكون الوزارة لم تراع تحديثاً أو تضف معلومة، ومن ثم لا ينبغي لأحد أن يجتهد، وكأنه لا اجتهاد مع النص الوزاري!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل