المحتوى الرئيسى

د. فتحي النادي يكتب: صناعة الولاء .. أمثلة من الواقع

06/28 15:33

د. فتحي النادي يكتب: صناعة الولاء .. أمثلة من الواقع

 صناعة الولاء .. أمثلة من الواقع

الجريدة (خاص) – كتب دكتور فتحى النادى

الولاء من الكلمات الغامضة فى علم الإدارة، وهناك بالطبع اجتهادات عدة فى تعريفه ولكن أي منها فى نظرى لم ينجح فى نقل المعنى بدقة تكفى لفهمة واستيعابه. فالولاء درجات أعلاها مرتبة الولاء للوطن، ومصرالآن تمر بمنعطف تاريخى هي أحوج ماتكون فيه إلى أن يترجم أبناؤها وفاؤهم وولاؤهم لها إلى سلوك يعكس لهفتهم على مصير الوطن وحق أبنائه فى مستقبل يعيد له مكانته التى تليق به بين الأمم. دعونا نقرب المعنى من خلال مواقف يتجلى فيها سلوك أبلغ من أى شرح.

إليكم مثلان يترجمان معنى الولاء عمليا، أحدهما عشته وشاركت فيه، والآخر أستورده من اليابان وهي رمز متفرد فى الجودة والإنتماء الوطنى والتفانى فى العمل عقيدة وسلوكا:

حين أنشئت المجتمعات الجديدة فى عهد الوزير حسب الله الكفراوى، كان لى شرف أن أكون أول مصرى يتولى منصبا رفيعا فى إحدى الشركات الدولية التى قررت بناء مصانعها فى مدينة 6 إكتوبر فى منتصف عام 85، كان الوزير متلهفا على تعمير المدينة حتى قبل أن يكتمل وصول الخدمات إليها، وكنا مشغولين ببحث الوسائل التى تضمن لعمالنا وموظفينا استقرارا وحياة كريمة وولاء للشركة على المدى الطويل. إلتقينا مع الوزير الذى شرح لنا أن الموقف يقترب كثيرا من معضلة “البيضة الأول أم الفرخة” الناس لاتريد أن تشترى الوحدات السكنية التى تم بناؤها قبل وصول الخدمات إلى المدينة لبعدها عن العمران فى ذلك الوقت، فلا مدارس ولا مستشفيات ولا محال لبيع الخبز والخضار، والحكم المحلى لايريد أن يصرف الميزانية المخصصة له قبل تعمير المدينة ولو جزئيا. فكان لابد من إتخاذ قرارات شجاعة جريئة من جانب إدارة الشركة تحقق أهدافها الإستراتيجية المعلنة فى العناية بموظفيها.

ومن ثم عرضنا على الوزير أن نعرض بعض الوحدات السكنية للتمليك لعمال وموظفى الشركة بشروط ميسرة على ان تقوم الشركة بسداد مقدم الثمن قرضا حسنا وتتولى تحصيل الأقساط خصما من رواتبهم شهريا وتوريدها لجهاز المدينة، فعلنا ذلك بدافع المسئولية الإجتماعية تجاه الموظفين والمجتمع ككل، وأصبح المشروع نموذجا اقتدت به كثير من الشركات التى بدأت نشاطها بالمدينة بعد ذلك، وقد وفرت الشركة أكثر من 80% من أسطول الأتوبيسات الذى كان ينقل الموظفين من وإلى العمل يوميا من كل أنحاء القاهرة.

ولكن المفاجأة الحقيقية أنه حين شب حريق فى مصنع الشركة أثناء عطلة نهاية الأسبوع، كان العمال المقيمون بجوار المصنع أول من بادر بالتصدى للنيران قبل وصول عربات الإطفاء، ليس هذا فقط، وإنما كانوا يقتحمون النيران لحماية المصنع كأنهم يدافعون عن بيوتهم، واستلزم الأمر جهدا كبيرا من الإدارة لإبعادهم عن الخطر وترك الأمر لقوات الإطفاء لكى تقوم بعملها … هل هناك تجسيد للولاء أكثر من ذلك؟

المثال الآخر من اليابان حيث نظام التقاعد نظام عجيب يؤكد على قيمة الإنسان وأهمية استغلال طاقاته حتى “آخر نفس” قبل أن يودع الحياة، فالياباني الذى يخدم فى أى موقع لأكثر من 34 عاما متصلة يحق له أن يتقاعد دون أن يفقد مليما واحد من مجموع ماكان يتقاضاه أثناء عمله، ويخير بين التقاعد أو الإستمرار فى الذهاب إلى العمل تطوعا كاستشارى يلجأ إليه العاملين لحل مايعترضهم من مشكلات تصادفهم فى أعمالهم. أكثر من 85% من المتقاعدين يفضلون الإستمرار فى الذهاب إلى أعمالهم كالمعتاد بدلا من البقاء فى منازلهم بغير عمل.

ولكن الأهم من ذلك ماحدث أخيرا من أن مجموعة من المتقاعدين المسنين قرروا التطوع للذهاب إلى فوكوشيما ( موقع كارثة التسرب الإشعاعى الذى أصاب أحد المفاعلات النووية ويهدد بكارثة عالمية ) لكى يساعدوا العمال والمهندسين الذين لايزالون بالموقع يجرون الإصلاحات اللازمة من موقع المسئولية غير عابئين بما يتعرضون له من أخطار وفلسفتهم فى ذلك هو الحفاظ على الثروة البشرية من الشباب من المهندسين لكى يبنوا مستقبل اليابان، أحد هؤلاء المتقاعدين بالمناسبة سوف يذهب ليغنى للعاملين بالموقع لتحفيزهم على العمل وتحمل الأخطار لأنه لايجيد شيئا آخر .. ولاتعليق !


أ.د./ فتحي النادي أستاذ ومحاضر في الإدارة ومستشار لتنمية الموارد البشرية

الرابط المختصر: http://www.algareda.com/?p=19724

بإمكانكم دومًا متابعة آخر أخبار الجريدة عبر خدماتها على موقع تويترأو عبر موقع فيسبوك.



أهم أخبار مصر

Comments

عاجل