المحتوى الرئيسى

وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ

06/28 15:25

بقلم: د. أحمد متولي سيد أحمد

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)﴾ (التوبة).

الخبال:  الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف (القرطبي).

الاضطراب في الرأي (مجمع البيان).

بلبلة الأفكار (الشعراوي).

﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾: أوضعت الدابة: سارت سيرًا سريعًا- لسان العرب.

أي لأسرعوا بينكم بالإفساد والنميمة، والخلل: الفرجة بين الشيئين، والجمع خلال.

﴿يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ﴾: يطلبون الفتنة أي الفساد والتحريض (القرطبي).

﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾: أي فيكم من يستمع منهم (لما يقولون) ويطيعهم.

وأيضًا: فيكم من يستمع أخباركم لينقلها لهم، أي عيون عليكم (الشعراوي).

 

هكذا الجماعة المسلمة على مر العصور مستهدفة من قِبَل أعدائها في الداخل والخارج، عيونهم على أفضل ما فيها ومداد وجودها، وهو الترابط والاعتصام بحبل الله، والحب في الله، فإذا تحطم ذلك الرباط تحطم كيان الجماعة كلها.

 

وإذا كان التحذير الإلهي لخير القرون، وفيهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، موضحًا منهج عدوهم في هدم الإسلام من خلال هدم جماعته، مشيرًا لخطر عظيم من داخل الصف المسلم نفسه ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ فكيف بنا اليوم على ضعف المسلمين وقلة حيلتهم أمام وسائل الإعلام (الإعدام) الفتاكة بالعقول والنفوس والخطط المدروسة إعلاميًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا واستراتيجيًّا، والتي تقتحم عليك بيتك ونفسك دون طلب منك أو حتى استئذان واستعداد، ألا يسهم ذلك في زيادة عدد ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾؟!.

 

لقد ربتنا جماعة الإخوان المسلمين على الحب في الله، تلك العبادة التي لا يمكن لمسلم أن يفعلها بمفرده، وجعلت الحب هو الذي يسري خلال أفرادها، فكما يتماسك البنيان المرصوص بالمواد اللاصقة (الإسمنت والرمل) فكذلك الحب يملأ ويتخلل بين أفراد الجماعة؛ فتتماسك كالبنيان المرصوص، ورحم الله الإمام البنا إذا جعل الأخوة ركنًا من أركان البيعة، حيث يقول: "وأريد بالأخوة أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان والتفرق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب- وأقل الحب سلامة الصدر وأعلاه مرتبة الإيثار، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: من الآية 9).

 

والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه؛ لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: من الآية 71)، وهكذا يجب أن نكون.

 

فإذ كان هذا هو دأب أعداء الدعوة دائمًا أن يعمدوا إلى هدمها من الداخل، وقد أثبت الحق تبارك وتعالى ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ فما المخرج؟

 

وهنا أهمس بكلمتين أولاهما: لمن يستمع ابتداءً ولمن يستمع ويتأثر، والثانية لمربينا وأساتذتنا.

 

أما الأولى، فهي ألا ينسى أي أخ في الصف أن من يشكك في دعوتك ويضع بذور الشقاق إنما ﴿يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ﴾، كما قال تعالى، فلن تجد أحن عليك ولا أخلص لك ولا أصدق معك ممن نذروا أنفسهم لله متمثلين قول الله عزَّ وجلَّ ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ (الإنسان: من الآية 9)، وقوله تعالى ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51)﴾ (هود)، وقد عايشتهم في العسر واليسر فما وجدت من خلل، فصدورهم منشرحة لنصحك ونقدك، سائلين إياك النصح والتقييم، فما تنقم منهم؟

 

ورحم الله من جعل الثقة ركنًا من أركان بيعة جماعته واقتبس منها "وأريد بالثقة اطمئنان الجندي إلى قائده في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة"، وللقيادة في الجماعة حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا.

 

إنه من الأولى بنا أن نسمع من بعضنا، ونستمع لبعضنا، ونتناصح فيما بيننا، وتكون حوارات مجالسنا بأماناتها، وبذلك يكون لنا مصدر واحد وجهة واحدة لتوثيق الخبر والثقة الكاملة فيها والرجوع إليها سواء بالاستفسار، أو النصح والتصويب بطريقته المعروفة لدينا، وبآدابه التي تربينا عليها، وعملاً بقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا (83)﴾ (النساء:83)، انظر معي ﴿أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ﴾ وأيضًا ﴿لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ﴾، فلا أستطيع أن أتقبل من أي أخ مهما كان أن يرسل رسالة إلى مكتب الإرشاد مثلاً عبر الصحف أو الفضائيات ولا يعرفون عنها شيئًا إلا من هذا الطريق، وكأنك إذا أردت من والدك شيئًا أرسلته له على "يد محضر" وهو معك في نفس البيت، أو ربما الطريق إلى الصحف أسرع وأقرب من الطريق إلى مكتب الإرشاد.

 

إذًا فالهمسة الأولى: أن نستمع لبعضنا ابتداءً، فإذا جاءك خبر من أي جهة فالرجوع إلى أولي الأمر أولى وأوجب تعلقًا ذلك كله بالثقة والحب في الله.

 

وأما الهمسة الثانية: فهي لأساتذتنا وآبائنا وإخواننا كلٌّ في موقعه بأن يقطعوا خط الريبة في النفوس، وذلك بعدة آليات أذكر منها:

 

- تزويد الصف بالجديد والحديث من الأخبار سريعًا، وبالطريقة المعهودة في الجماعة حتى لا يعرف الأخ الخبر من مصادر أخرى متربصة ومشككة؛ فتحدث البلبلة، فيتحتم علينا التزويد بالخبر والتوضيح والشروح والدفاع بدلاً من الإعلام به فقط.

 

- زيادة آلية المناقشات التي تسبق القرارات، وتوسيع القاعدة المشاركة فيها، وبذلك يتحمل الجميع حصته في الدفاع عن القرار كما أخذها في المناقشة وإبداء الرأي.

 

- الاهتمام بفئة المحب والمؤيد خاصة الشباب منهم، وعمل توضيح رؤية متكرر لآلية أخذ القرار في الجماعة، والهيكل الهرمي لها؛ لأنهم لا يشاركون في الانتخابات، ويظنون أن كل الصف فئة واحدة، فهم ومكتب الإرشاد إخوان.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل