المحتوى الرئيسى

بناء أمَّة وعالم أكثر سعادة

06/28 14:51

بقلم: د. محمد منصور

إنه يعني البدء أولاً ببناء الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة ثم الأمَّة ثم العالمَ، وبناء الإنسان يعني بناءه نفسيًّا وفكريًّا وجسديًّا؛ ليسعدَ بحياته سعادة كاملة لا جزئية، حقيقية عميقة لا سطحية زائفة، ثم ليسعدَ بآخرته بتجهيزه لها بنوايا خير ٍفي كل أقواله وأفعاله الدنيوية.

 

والبناء النفسي أن يكون بدوام تواصله مع أصل الخير والحياة، مع ربه مُوجدِهِ وخالقه ومُرَبِّيه ورازقه ومُعينه ومُوَفقه، ثم بدوام تمسّكه بكلِّ خُلُق ٍخيْريّ ٍفي كل كلماته وتصرفاته، ليسعدَ وليطمئنّ في الداريْن، كما يُفهَم من قوله (صلى الله) في الحديث المعروف: ".. احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله .. " (جزء من حديث رواه الترمذي وغيره).

 

والبناء الفكري يكون بدوام العمل والإنتاج والإنجاز والتخطيط والتطوير والابتكار والربح، فيما هو خير وفقط، لتستمر سعادته وتكتمل ولا تفسد بقدْر أيّ شرّ ٍقد يُفكر فيه أو يفعله، كما يُفهَم من قوله صلى الله عليه وسلم: " احرص على ما ينفعك واستعِن بالله ولا تعجز" (جزء من حديث رواه مسلم وغيره).

 

والبناء الجسدي يكون بالتوازُن في مُتع الحياة الجسدية الحلال، وهي النافعة المُسْعِدَة، لا الحرام، وهي المُضِرَّة المُتعِسَة، كما يقول تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف: من الآية 31).

 

ثم بناء الأسرة، ويعني تكوينها من ذكر ٍوأنثي قد تمَّ تربيتهما منذ صغرهما على الخير والسعادة.. أسرة تقوم علي قوله تعالى: (مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: من الآية 21)، أي على الحب والحوار والتفاهم والتقارُب والتسامح والتنازل والتعاون والتكامُل والتخطيط والكسب وكل ما يحقق الأمن والهناء للنشيء الجديد، لينشأ بسهولة وبتلقائية بهذه الصفات الطيبة المُسْعِدَة له، وليُمكنه نقلها والفيض بها علي كل مَن حوله في مجتمعه بسلاسة ودون جهد.

 

ثم بناء المجتمع، كما يُفهَم من قوله تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)) (البقرة)، والذي يعني بالأساس تكوينه من الأسر السعيدة والتي سبَقَ تربية أفرادها على أخلاق نظام الإسلام، وهي الأخلاق الوحيدة التي تُسعِد سعادة تامَّة حقَّة، كما يؤكد تعالى في قوله: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) (يونس: من الآية 58 )، بينما بقية الأنظمة فسعادتها غالبًا جزئية قِشريَّة وكثيرًا ما تُتعِس بظلمها كما يُثبت ذلك الواقع أمامنا.

 

ثم بناء مؤسَّسات الدولة وإدارتها وحكومتها، مؤسَّساتها السياسية والاقتصادية والقضائية والعلمية والإعلامية والاجتماعية والفنية والرياضية والعسكرية والشرطية وغيرها.. بناؤها بالتخصّصات والمتخصّصين الأخلاقيين الوطنيين علي اختلاف دياناتهم وثقافاتهم، تطبيقًا لقوله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) (القصص: من الآية 26)، ولقوله صلى الله عليه وسلام: "إذا وُسِّدَ الأمر إلي غير أهله فانتظر الساعة " (جزء من حديث رواه البخاري)؛ لأنه مَن كان مُتخصّصًا دون تربية فسيُفسِدُ في الغالب تخصّصه كما هو واضح واقعيًّا، وإن كان مُترَبيًّا دون تخصّص فسيُفسِد أيضًا لقلة خبراته أو انعدامها.

 

بناؤها بمرجعية أخلاق الإسلام؛ لأنها المرجعية الوحيدة الكاملة التي تشمل كلَّ المرجعيات الأخرى، والتي لا يُمكن تغييرها لأيّ سبب ٍكان؛ لأنها من عند الله الذي لا يتغير.. إنها مرجعية العدل والحرية والشورى والوحدة والتعاون والانتماء والهُويَّة والإحسان والإتقان وكل الأخلاق التي تجعلها أفضل وأكمل دولة سعيدة لذاتها مُسعِدَة لغيرها.

 

يقول تعالى عن هذه المرجعية المُسْعِدَة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)﴾ (النساء).. جاء في تفسير القطان: ".. عندما نضع قانونًا أو نريد أن نحكم في قضية، علينا أن نرجع إلى القرآن الكريم، فإن لم نجد رجعنا إلي سُنَّة رسوله، فإذا لم نعثر على طلبنا هناك سألنا أولي الأمر أن يجتهدوا رأيهم، وهذا الاجتهاد بابه مفتوح دائمًا لم يُغلق، وما على أهل العلم والرأي إلا أن يجدّوا ويجتهدوا في تحصيل الوسائل التي يكونون بها أهلا للاجتهاد.. "

 

ثم يُضيف: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية 83) وهذا صريح جدًّا في موضوع الاجتهاد.. وهذا حديث معاذ بن جبل حين ولاَّه رسول الله قاضيًا على اليمن أوضح دليل، فإنه قال له: "بمَ تقضي إذا عرَضَ لك قضاء؟" قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟" قال : بسُنَّة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟" قال: أجتهد رأيي، فأقرَّه الرسول على ذلك..".

 

ويقول الإمام السعدي في تفسيره: ".. فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إمَّا بصريحهما أو عمومهما، أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يُقاس عليه ما أشبهه .. "
وجاء في "أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري: ".. الحال الحسنة السعيدة في رَدَّ أمَّة الإسلام ما تتنازعَ فيه إلى كتاب ربها وسُنَّة نبيّها صلى الله عليه وسلم". 

 

ثم يقوم الأفراد بعد بناء دولتهم بحُسْن عرض هذا البناء المُتدرِّج الحَسَن من الفرد للأسرة للمجتمع للدولة.. يعرضونه وينشرونه بالدعوة إليه بالحسنى وبالإقناع وبالقدوة العملية التطبيقية، إلى كل الأمم والدول القريبة ثم البعيدة بالتدريج.

 

ثم أمَّة ودولة خيريَّة أخلاقيَّة إسلاميَّة كاملة السعادة بجوار أخرى وثانية وثالثة ورابعة فصاعدًا، تتَّحِد فيما بينها على مراحِل وفيما يُمكِن التوحّد فيه، لتكوين اتحاد ٍإسلاميّ- أو ما كان يُسَمَّى سابقًا بالخلافة الإسلامية- يكون له مِن القوى البشرية والاقتصادية والعلمية والإعلامية والسياسية والعسكرية وغيرها ما يُمكنه مِن نشر الخير والأمن والسكون والسرور بأخلاق الإسلام بكلِّ حكمة وكل قدرة لكل البشرية وكل الحياة وكل الأرض وكل العالمَ، فيسعد الجميع بحياتهم ثم آخرتهم أتمّ سعادة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء: 107)
وسيكون لكل مَن شارَك في هذا البناء ثوابه العظيم على قدْر نواياه وما قدَّّمَه ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)﴾ (الأعراف: من الآية 170).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل