المحتوى الرئيسى

أحمد عز الدين يكتب: حجازي.. و"شهادة البشري" بحق الإخوان

06/28 12:44

كنت أتوقع أن يتوقف الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي عن نشر سلسلة مقالاته الأخيرة عن "شهادة المستشار طارق البشري" بحق الإخوان المسلمين بعد أن يدرك الخطأ الفادح الذي وقع فيه، أو ينبهه إليه أحد أصدقائه أو قرائه.. لكنه استمرَّ في نشر أربعة مقالات حتى الأسبوع الماضي.

 

ولعل الأستاذ حجازي يُدرك الآن خطأه، ويعتذر للمستشار البشري وللقُرَّاء.

 

اعتمد حجازي على ما ذكره المستشار طارق البشري عن الإخوان المسلمين، في الطبعة الأولى من كتابه "الحركة السياسية في مصر من سنة 1945إلى سنة 1952"، الذي تعرض لمواقف أبرز القوى السياسية في تلك الفترة، وخص الإخوان بفصلين في الكتاب، وقد صدرت الطبعة الأولى في خريف عام 1972، وكان البشري قد أنهى مسودتها في أغسطس 1969، وعاود النظر فيه ثم "رفعت عنه القلم نهائيًّا، وأعددته للطبع في يناير عام 1970" كما يقول.

 

ولكن ما فات حجازي- أو فوته- أن البشري أصدر طبعة ثانية من الكتاب ضمنها مقدمة كتبها في 5 أكتوبر 1981 تحت عنوان "تعقيب ومراجعة"، جاءت في 65 صفحة، تضمنت مراجعة جوهرية لموقفه من الإخوان المسلمين، واعترافًا بالخطأ لا يملك مثله إلا من يحترم نفسه وقارئه، قائلاً: لست ممن يخفون موقفًا فكريًّا أتحفظ عليه الآن، ولست ممن يجدون الحرج في الإفصاح الجهير عن العدول عن موقف أو رأي سابق، ظننته صوابًا في وقت، ثم تبينتُ الصواب في غيره، ولست ممن يحسنون إخفاء أمر كهذا.

 

كانت المراجعة واجبة من وجهين:

الوجه الأول خاص بالكتاب ومادته العلمية، وقد كان الكتاب- كما يقول البشري- من بواكير ما صدر عن الفترة المدروسة، ثم أخرجت السنوات العشر الأخيرة مادةً جديدةً سواء في الكتب التي صدرت أو في المذكرات الشخصية التي نشرها بعض مَن شاركوا في أحداث تلك الفترة، أو المقالات التي شرحت أو دافعت عن وجهات وأحداث للاتجاهات السياسية المختلفة، بعد أن أذن لها في السبعينيات بالعودة للمسرح السياسي، ونشطت في وصل الماضي بالحاضر.

 

فعملية التأريخ "لها وجه من وجوه الحوار بين الماضي والحاضر، أي الحوار بين الفترة المدروسة وبين الفترة التي يجري فيها الدرس.. هو حوار يرسم حدوده حجم المادة التاريخية المكتشفة في وقت الدراسة، ونوعية هذه المادة ومصادرها حسب المتاح في هذا الوقت".

 

والوجه الثاني متعلق بالكاتب فهو، "في حدود قدرته على المتابعة، يمكن أن تتغير بعض وجهات نظره في فهم الأحداث وتقويم التيارات والاتجاهات".

 

وبهذا، فإن العملية التأريخية واقع يحتمل التغير من طرفين: من حيث المادة التاريخية، وهي صلب العمل التأريخي، ومن حيث فهم المادة التاريخية وتصنيفها وتقويمها وتركيبها، وهي مهمة الكاتب.

 

نقد البشري كتابه بنفسه إزاء ثلاثة جوانب:

* الحركة الشيوعية، حيث اهتم بالإشارة إلى الوجود الأجنبي اليهودي على رأس كثير من التنظيمات الماركسية في الأربعينيات، والذي يبدو له أنه لم يكن بعيدًا عن التحرك الصهيوني في المنطقة العربية آنذاك، وقد فصل ذلك في كتابه "المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية".

 

* أنه لم يفرد في الكتاب قسمًا مستقلاً للحزب الوطني الجديد كما صنع مع غيره.

 

* أما الأمر الثالث، فكان خاصًّا بآرائه عن الإخوان المسلمين، وقد استغرق هذا الأمر مساحة ضافية في المقدمة.

 

يقول البشري عن الإخوان: كنت خارجيًّا عنهم، ولم يتح لي فكري سبيل الولوج من بابهم لأدخل دارهم واتطلع إلى شواغلهم. استخدمت مع غيرهم الموازين والمكاييل والتحاليل، وقستهم هم بالمتر، أو الشبر والفتر.

 

ويقول: "إن النظر الخارجي للإخوان هو ما أعاقني عن التنقيب عن الدلالة الوطنية لشعبيتهم، وقد لزمتني سنوات بعد إخراج هذا الكتاب لكي أعيد مع نفسي النظر في هذه النقطة، وأن أراجع الخريطة السياسية التاريخية كلها، في ضوء ما أسفرت عنه إعادة النظر تلك".

 

أقر البشري بأنه" يلزم تقويم الوقائع في ضوء معيار جديد يدخل أهداف الحركة (الإخوان) ووظائفها التاريخية في نسيجه وتقاس به مواقف الحركة ومواقف غيرها".. المشكلة كما رآها البشري لاحقًا فيمن ينظر للإخوان: "من ينظر إلى حركة الإخوان من خارج إطارها الفكري والعقدي والحضاري يصير أجنبيًّا عنها لا يستطيع أن يستصحب منطقها".. "الخلاف الحقيقي يغوص في الأصول الفكرية التي تحدد مجال الرؤية ومسارها وتتفرع عنها التفاريع وهو يقوم بين المنهج الإسلامي كما يراه الإخوان، وبين المنهج العلماني الذي وفد، وانطبع به فكر الكثيرين من أبناء المؤسسات الحديثة في بلدنا".

 

إن نظر العلماني الوطني إلى حركة الإخوان يكون- كما يرى البشري- على أساس من غربته الفكرية عنها، فضلاً عن خلاف عميق بين الطرفين وتصور كل منهما لنموذج النهضة التي يريد بناءها في البلاد وللمواد الحضارية التي تستعمل في هذا البناء.

 

"العلماني الوطني يرى أن ابتعاد الدنيا عن الدين هو كبعد الأرض عن السماء، ولا يدرك أن نظرته تلك نبت وافد وحديث، لم تنمُ في البيئة الفكرية الحضارية قبل مطلع القرن العشرين".

 

رد البشري على مَن سألوا: متى توجه الإخوان إلى السياسة؟ بأنهم لم يتركوا السياسة أصلاً.

 

وردًّا على القول بغموض الإخوان ونقص برامجهم بأنه يعكس الغفلة عن الصراع العقائدي والحضاري بين الوافد والموروث؛ فالإخوان دعوة للاستقلال العقائدي والحضاري، حتى وإن لم يطرحوا برنامجًا محددًا عن البناء السياسي أو الدستوري.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل