المحتوى الرئيسى

> ماذا يريد الترابي من مصر؟

06/27 21:11

كتب - المحبوب عبدالسلام

الناطق باسم حزب المؤتمر الشعبي

في العام 1987 زار الدكتور حسن الترابي العاصمة المصرية القاهرة للمشاركة في مؤتمر السُنَّة النبوية الذي عقده الأزهر الشريف. كانت تلك هي المرة الثالثة التي يزور فيها مصر بوصفه أميناً عاماً للجبهة الإسلامية القومية، ثم تلتها زيارة رابعة وأخيرة في نفس العام بدعوة من الحزب الوطني الديمقراطي. كانت المرتان الأوليان إبان توليه منصب مساعد رئيس الجمهورية للشئون الخارجية، علي عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري للمشاركة في جلسات برلمان وادي النيل، الذي ضمَّ نواب من مجلس الشعب المصري وآخرين من مجلس الشعب السوداني في إطار ما عُرف باتفاقية التكامل.

وإذ جاء الترابي في المرَّات الأولي مقيداً بمنصب سيادي في حكومة موسومة بكل أثقال وعيوب «حكم الفرد» وضمن معادلة هشَّة بالغة الحساسية بين حركة إسلامية شابة ناهضة ، وبين نظام أوتوقراطي يقوم عليه رئيسٌ شديد الغيرة والخوف علي سلطته المطلقة، تولَّت فيه رموزٌ من تلك الحركة مناصب عُليا مقابل تأمين حركتها الاجتماعية التي ينحاز إليها آلاف الشباب من الجنسين كل حين، ونشاطها الاقتصادي الذي بدأ يتوسع بخطي سريعة.

لكن في المرَّتين الأخيرتين كان الترابي رئيس حزب إسلامي يواجه استقطاباً حاداً داخل السودان وخارجه، لا سيما مصر. إذ نشأت الحركة الإسلامية في السودان موصولة بحركة «الإخوان المسلمون» المصرية ضمن تأثيرات أخري مهمة أسهمت في تكوينها، كما تأسَّس اليسار السوداني بكل فصائله امتداداً طبيعياً لذات التيار في مصر.

ورغم أن الحزب الوطني في مصر يومها كان يتوجَّس بشدَّة من سياسة رئيس وزراء السودان السيد الصادق المهدي، ونزوعه للاستقلال في علاقاته الخارجية لا سيما نحو إيران، فإن دعوة الشيخ الترابي وإفساح المجال له للحديث إلي المكتب السياسي للحزب الحاكم، لم يكن يخلو من رسالة لحكومة المهدي علي قدرة النظام المصري من تقريب المنافس الصاعد بقوة يومئذٍ، كما لم تمنع تلك الرسالة القوي الأخري لا سيما اليسارية في مصر من مواجهة الترابي بمخاوف وهواجس خصومه السودانيين، ثم تصدِّي الترابي لهم في مداولة حرَّة بما يشبه «زحف سرية» في وصف باحث مصري كبير.

اليوم تبدَّل وجه مصر القديم وأشرق في بطاحها ربيع الثورة الأخضر، وقبلها أكمل الشيخ الترابي عقداً كاملاً في الحكم يحاول إنفاذ برنامجه الإسلامي، ثم عقداً آخر في معارضة النظام الذي أسَّسه، فما الذي يمكن أن يحمله الترابي إذا قُدِّر له أن يزور مصر في مقبل الأيام؟! أولاً: حملت الثورة المصرية للترابي أوَّل تجلٍ لدعوته لاستشراف الحرية، ولا ريب أن دوافعه التي جعلته يلح منذ أوًّل يوم لخروجه من المعتقل علي زيارة مصر، هو تنسُّمه عبير التحرير المنعش وتوقه أن يشهد بنفسه الميدان الكبير الممتد علي امتداد مصر وقد صنع تلك الثورة.

ثانياً: ظلَّ الترابي يؤكد أن نهضة الإسلام إذا قُدِّر لها أن تقوم وتستوي فسيبدأ ذلك في مصر لأنها «غنية بالحياة»، ذلك أيضاً قولٌ له قديم منذ منتصف السبعين من القرن الماضي.

ثالثاً: لا يريد الترابي أن ينقل مشكلات السودان إلي مصر لكنه يريد أن يلقي بسهمه المفروض وواجبه في تبادل الرأي مع فئات وشرائح الشعب المصري كافة، فقيمة الترابي ليست فقط فيمن يؤيدونها ويصطفون أعضاءً في حزبه، ولكن في تجربته الفكرية والعملية، لا سيما أن السودان بلدٌ غني بتجارب الانتقال منذ استقلاله ولا يزال ومصر راسخة في الاستقرار. ولذلك رغم التفاؤل الذي أكدته كل تصريحات الترابي حول المستقبل المشرق لمصر فإن تجربة السودان في الانتقال والتأسيس مهمة لذلك المستقبل.

أخيراً، تحدَّث الترابي في محاضرة له في الدوحة قبل شهرٍ أن تجربة الحكم الإسلامي المعاصر فشلت في العالم السُني كما فشلت في العالم الشيعي - إشارة إلي تجربتي إيران والسودان، وتلك أيضاً موعظة عظيمة لأن قضية الإسلام والحكم هي اليوم قضية عالمية تهم المسلمين كما تهم غير المسلمين، كما كانت كذلك منذ الصراع علي الخلافة بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان في الفتنة الكبري القديمة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل