المحتوى الرئيسى

زيارة لمحبسي القديم

06/27 19:26

بقلم: إبراهيم ناجي

اليوم وبعد مرور أكثر من سبعة أشهر من تاريخ اعتقالي بقسم بني سويف الذي قضيت فيه سبعة أيام وثماني ليالٍ، وذلك أثناء انتخابات مجلس الشعب لعام 2010م تتكرر زيارتي لمحبسي القديم الذي ما زلت أذكر كل أركانه التي ارتكنت إليها في ليالي الشتاء الباردة وظلامها الذي لم يكن نعرف فيه الليل من النهار، أما اليوم فهي زيارة مختلفة فقد قضى الله على الظلام الذي كان يحيط لا بالقسم فقط، وإنما بكل أرجاء مصرنا الحبيبة.

 

وكانت وجهتي الأولى إلى مكتب ضابط برتبة ملازم. وكان يتعامل معنا أثناء مدة السجن برفق حتى سارت بيني وبينه علاقة طيبة، وطلبت منه أن يدلني على المكان الذي أحرر فيه محضرًا؛ فسألني عن سبب المحضر، فرويت له القصة والتي تتلخص في: أني أسكن بأحد أحياء محافظة بني سويف، وفي العقار الذي أمامي يسكن رجل عرفت بعد السؤال أنه "وكيل نيابة" قام بعمل سرادق ومسرح في الشارع، وجاء فيه بالفرق الموسيقية الصاخبة وعلى مدار أكثر من خمس ساعات متواصلة يتم إطلاق الأعيرة النارية في الهواء؛ ما أصابنا بالإزعاج الشديد، فحاولت الصبر على ذلك بحجة مصرية خالصة وهي "الجيران لبعضها"، حتى مرت ساعات طويلة جعلت صبري ينفد خصوصًا أن الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل؛ فذهبت إلى السرادق، وتحدثت مع أم المدعو "محمد كمال ناصف"، قائلاً: "أنا عندي شغل صباحًا، وزوجتي عندها امتحان أيضًا، ونحتاج إلى الراحة والنوم"

 

فكان الرد أنت ضيفنا الليلة، متجاهلةً كلامي فلما أصررت على طلبي قالت: "ابني رئيس نيابة، والحكومة كلها هنا روح اعمل اللي أنت عايزه"؛ فانصرفت متوجهًا إلى قسم الشرطة، وأتيت لأحرر محضرًا ضد هذا الشخص بصفته لكونه يتعدى على حرية الآخرين، ويتسبب في إزعاج الحي بالكامل، فنظر إليّ الضابط نظرة مبتسمة، وقال لا أحد فوق القانون، وأخذني إلى مكتب المباحث لتحرير المحضر، وأثناء دخولي فوجئت بالضابط الذي قبض عليَّ في القضية التي يتذكرها عموم الإخوان وهي "الملصقات" التي لفقتها وزارة الداخلية، والتي أخلت فيها النيابة العامة سبيلنا، ولم تستجب الداخلية، وتحفظت علينا لحين عرضنا على جهاز مباحث أمن الدولة المنحل، وعندها تذكرني فوجدته يبتسم، وهو ينظر إلى الأوراق التي كانت على مكتبه.
فقلت له: "أنا أسامحك لا لشيء إلا لوجه الله، وصدقة أجد ثمرتها عند ربي يوم القيامة" فشكرني، وطلب لي فنجانًا من الشاي.

 

فسردت له القصة التي أتيت من أجلها فانصرف من مكتبه، وجاء بعد مدة وبصحبته "وكيل النيابة" المعني بالأمر.

 

فتأسف ووعدني بأني حين وصولي إلى المنزل سأجد كل شيء قد انتهى؛ فقلت له بعد نصف ساعة من الآن إن لم يتم إنهاء هذا الأمر سأعود، وفي هذه المرة لن أتنازل عن تحرير محضر رسمي، وإن امتنع الضباط عن تحريره سأذهب إلى مفتش الداخلية أو مسئول الأمن العام، فهذا انتهاك لحقوق الإنسان في العيش في هدوء، وبالخصوص في هذه الأوقات من السنة التي تتزامن مع الامتحانات، وانصرفت من القسم عائدًا بسيارتي إلى المنزل فوجدت الأمر ينتهي فعلاً.

 

وهنا شعرت بأني مواطن حقيقي له حقوق كأي مواطن في بلد متحضر يحترم حقوق الإنسان، وأيقنت أن الثورة المصرية العظيمة بدأت تؤتي ثمارها حقًّا.

 

فلو كان الوقت غير الوقت لكنت لم أعرف كيف سيكون مصيري؛ فمن الممكن أن كنت أجد نفسي متهمًا في قضية مخدرات، أو سلاح، أو حتى قضية آداب- كما فعلوا مع سيدنا يوسف بتلفيق أول قضية آداب في التاريخ هنا في مصر- بالمباحث العامة بالقاهرة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل