المحتوى الرئيسى

الإخوان المسلمون والدستور

06/27 21:32

بقلم: د. محمود غزلان

للإخوان المسلمين موقف واضح من الدستور والحكم الدستوري قرره الإمام المؤسس حسن البنا- رحمه الله- في رسالة المؤتمر الخامس الذي عُقِد في 2 فبراير 1939م؛ حيث قال: "الواقع- أيها الإخوان- أن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكلِّ أنواعها، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال، وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأصول كلها يتجلَّى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم.

 

ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر.

 

والدساتير كانت في الماضي تُعدّ منحة من الملك أو الحكومة؛ حيث يختار أي منهما لجنة تضع الدستور ثم يصدره باعتباره هبة من أحدهما.

 

ولكن الوضع تغير الآن فأصبح الشعب هو الذي يمنح نفسه دستوره، وهذا يقتضي أن يختار الشعب أو ممثلوه الهيئة التأسيسية التي تضع الدستور ثم يُجرى استفتاء؛ ليقول الشعب فيه قولته، فإذا قبله صار دستورًا ممنوحًا من الشعب للشعب، وإن رفضه يُعَاد ليعدَّل وفقًا لإرادة الشعب.

 

وبعد ثورة الشعب المصري المجيدة في 25 يناير 2011م، ثم استفتاء للشعب على مواد دستورية وافق عليها بأغلبية 77% تعرَّضت إحداها لطريقة كتابة الدستور، وحددت اللجنة المكلفة بصياغته وطريقة انتخابها والمدة الزمنية التي تُعدّ فيها مشروع الدستور، والمدة الزمنية التي يتم فيها الاستفتاء عليه، وصدرت هذه المواد في إعلان دستوري، وسقط بذلك دستور 1971م؛ تمهيدًا لإعداد الدستور الجديد، وكانت هذه النتيجة كفيلة باستقرار المجتمع المصري، وكان على النشطاء السياسيين الاستعداد لانتخابات البرلمان الذي سينتخب بدوره الهيئة التأسيسية لكتابة الدستور؛ إلا أن ما حدث هو رفض كثير من الأقلية التي تمثل 22% من المصوتين في استفتاء 19 مارس على التعديلات الدستورية لنتيجة الاستفتاء، والإصرار على الانتهاء من الدستور أولاً، بل وتأجيل الانتخابات البرلمانية؛ بدعوى عدم جاهزيتهم لخوض الانتخابات، ثم بدعوى عدم استتباب الأمن، ثم بدعوى شهر رمضان، وانطلق عدد منهم- للأسف الشديد- يطعن في وعي الشعب ويتهمه بالجهل بل ويسخر منه، حتى قال أحدهم: "إن المواطنين لا يعرفون الفرق بين الدستور وقرص الطعمية"، وطالب بعضهم بما سماه التصويت التمييزي أي أن غير المتعلم صوته يساوي نصف صوت، والمتعلم صوته بصوت، في مخالفة صريحة للمبادئ الديمقراطية التي تقرر أن للفرد الواحد صوت واحد، وطلب بعضهم أن تضع الدستور لجنة غير منتخبة من الشعب؛ لأن الشعب يجهل أولوياته وتحكمه العصبيات، أي أنها يجب أن تكون لجنة معينة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو الحكومة في تفضيل واضح لمبدأ التعيين على مبدأ الانتخاب بما يتناقض مع المبادئ الديمقراطية.

 

وذهب بعضهم إلى إطلاق دعوة لجمع 15 مليون توقيع يوافق على مطالبهم، وبذلك يكونون قد تجاوزوا عدد 14 مليون صوت الذين كانوا مع التعديلات الدستورية في استفتاء مارس 2011م، وهذه الدعوة رغم عدم دستوريتها وانعدام الثقة في نتيجتها واعتقادنا استحالة تحقيقها، إلا أن السؤال الأهم، أليس هؤلاء الملايين الذين تبغون جمع توقيعاتهم من الشعب الذي اتهمتموه بالجهل وقلة الوعي؟ ثم هل لو كانت نتيجة الاستفتاء جاءت كما كنتم تريدون، هل كنتم سترمونه بهذه النقائص والسباب؟ وهل كنا نحن الذين قلنا: نعم للتعديلات الدستورية سنرفض النتيجة ونلتف على إرادة الشعب؟ ومن الذي يتصرف الآن تصرفًا حضاريًّا راقيًا؟.

 

إن الإخوة الرافضين لنتيجة الاستفتاء يعزون موقفهم هذا لخوفهم من سيطرة الإخوان المسلمين على مجلسي الشعب والشورى، وبالتالي على الهيئة التأسيسية لوضع الدستور، وبالتالي صياغة دستور يتوافق ورؤية الإخوان المسلمين، وهذه مغالطة كبيرة.

 

فنتيجة انتخابات البرلمان في علم الغيب، والإخوان لا يسعون للحصول على الأغلبية، ثم إن الهيئة التأسيسية المنتخبة يرى الإخوان وجوب تمثيلها لكلِّ مكونات الشعب المصري، وبالتالي بعضها من داخل البرلمان وبعضها من خارجه، ثم إن هذه الهيئة يجب عليها تقسيم نفسها إلى لجان استماع تذهب إلى التجمعات الشعبية في الجامعات والنقابات والنوادي والوزارات والمدن والقرى؛ لترى ماذا يريد الشعب في الدستور، ثم تتفرغ لصياغة هذه الإرادة الشعبية في مواد دستورية، ثم يعرض مرة أخرى على الشعب في استفتاء عام وهو صاحب الحق في قبوله أو رفضه، فإذا قبله كان دستورًا ممنوحًا من الشعب للشعب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل