المحتوى الرئيسى

حيرة المواطن المصري

06/27 08:51

محمد صلاح

لم تستقر ثورة تموز (يوليو) 1952 في مصر إلا بعد نحو أربع سنوات جرت خلالها صراعات بين الضباط الأحرار أنفسهم أحياناً وبينهم وبين جهات أخرى في المجتمع في أحيان أخرى، على رغم أن الثورة، التي يعتبرها البعض انقلاباً، قام بها الجيش نفسه وسانده الشعب. الحالة الآن في مصر أن الشعب قام بثورة وسانده الجيش، ومع ذلك فإن الأمر يتكرر ولكن بأوجه مختلفة. لا صراعات في الجيش الذي يتولى إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية، أما الصراعات فتتأجج يوماً بعد آخر بين القوى التي تنسب نفسها للثورة. ويجد غالبية المصريين أنفسهم في موقف بالغ الصعوبة فهم عانوا طوال عهد مبارك وثاروا عليه في النهاية، ولولا جسارتهم وتضحياتهم وشهدائهم لما سقط النظام، وهم انتظروا «ثمار» الثورة طوال الشهور الخمسة الماضية ويعتقد بعضهم أنهم لم ينالوا منها شيئاً حتى الآن، ويرون أقلية من محترفي السياسة قفزوا إلى واجهة الصورة و «ركبوا» الثورة وصاروا يتحدثون باسمها واعتبروا أنفسهم وكلاء عن الشعب. الموقف الصعب لا يقتصر فقط على المكاسب التي لم تتحقق والمزايا التي لم تأتِ وإنما أيضاً لأن غالبية المصريين الذين أسقطوا النظام ولم يكونوا معه غير راضين عن الوضع الحالي بعد الثورة، وبقدر ما صار بعض محترفي السياسة يتاجرون بالشعب ويتحدثون باسمه، وجد الشعب حدوداً قد وضعت في نقد الحالة الراهنة أو الشكوى من الأوضاع القائمة أو إعلان الخشية ممّا هو آت، إلى درجة أن من صار يشكو حُسب على النظام السابق ومن أعلن رفضه الدخول في أتون معركة الدستور أو الانتخابات أولاً، اعتبر «فلاّ» مِن فلول الحزب الوطني المنحل، ومن جاهر بأنه كان كارهاً لنظام مبارك وأصبح كارهاً أيضا للحالة التي عليها البلد الآن نُعت بأنه «مصلحجي» لا يبحث إلا عن مصالحه فقط من دون مصلحة البلد. هكذا وجد المواطن المصري البسيط نفسه أداة تسعى أطراف عدة إلى استغلالها والمتاجرة بها، وهو الذي لا يبحث إلا عن العيش الكريم ويأمل في أن يجد شعار الثورة: «خبز وحرية وعدالة اجتماعية» سبيله إلى التنفيذ، وهو إذا رأى أن البلد في هذه المرحلة يحتاج إلى الاستقرار والهدوء اتُهم بأنه إسلامي أو سلفي أو رجعي أو بالعمالة للنظام السابق، أما إذا رأى أن الثورة يجب أن تكتمل وبسرعة وأن الضغوط يجب أن تتصاعد لاستكمال محاكمة رموز النظام السابق وضرب باقي رموز الفساد واستكمال مؤسسات الدولة وأولها الدستور، اتُهم بأنه ضد الاستقرار وعلماني عميل للغرب أو يساري عميل للشرق أو من فلول النظام السابق!.

يستغرب المواطن المصري استطلاعاً للرأي عن شعبية المرشحين المحتملين للرئاسة أجراه المجلس العسكري على صفحته على موقع «فايسبوك» لأنه يعتقد أن المجلس العسكري يجب أن يبتعد عن أي إجراء يفهم منه أنه في صف أي مرشح للرئاسة أو أي حزب أو قوة سياسية تصارع على الحكم، تماماً كما استغرب من قبل تصريحاً لعضو في المجلس اعتبر أن نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية تمثل انتصاراً للمجلس العسكري! لأن المجلس ليس طرفاً في اللعبة السياسية وإنما يدير البلاد لفترة موقتة. كما يستغرب التناقض في التعامل مع الإعلام، كلما فبركت صحيفة خبراً أو تقريراً أو تحدث برنامج تلفزيوني عن وقائع كاذبة وكأنها حقيقة، وفي الوقت نفسه صخب الاعتراض على طلب التحقيق مع «المفبركين» أو المروجين للأكاذيب! ويعجب المواطن من حملة الشتائم التي تطاول كل من أعلن عن الترشح لخوض غمار التنافس على المقعد الرئاسي، خصوصاً وهو يرى أن القائمين بالشتم هم من كل التيارات وكأن الانتخابات الرئاسية يفوز فيها من تمكن أنصاره من توجيه أكبر قدر من الشتائم لمنافسيه!. ويصاب المواطن بالذهول. ويسخر من كون المحاكمات تجرى لوزير الداخلية السابق وكبار مساعديه وعدد من الضباط بتهم قتل المتظاهرين من دون أن يتمكن مصور واحد من التقاط صورة واحدة لمتهم واحد منهم لتنشر في الصحف، مقابل صور نُشرت لباقي الوزراء والمسؤولين وكذلك علاء وجمال مبارك. وحين شاهد أحدهم تظاهرة تقطع طريق كورنيش النيل وسأل عنها ضحك عندما علم أن تجار الدواجن يحتجون على إجراءات هدفت إلى حماية المجتمع من تفشي مرض أنفلوانزا الطيور، وقال لنفسه: لم يبقَ إلا أن يتظاهر تجار المخدرات اعتراضاً على تجريم الاتجار بها!



* نقلاً عن "الحياة" اللندنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل