المحتوى الرئيسى

هذا التشويه لحقيقة الثورات العربية!بقلم:جواد البشيتي

06/27 19:16

هذا التشويه لحقيقة الثورات العربية!

جواد البشيتي

الثورات العربية ليست بالحدث التاريخي المنتهي أو المكتمل صُنْعاً حتى نَحْكُم عليها حُكْماً نهائياً بنتائجها وعواقبها، على اعتبار أنَّ قياس الأمور بنتائجها وعواقبها هو وحده القياس العلمي والصحيح حتى في عالم السياسة؛ وهي (الثورات العربية) أيضاً ليست بالثورات السياسية الخالصة التي لن يمتدَّ تأثيرها (القوي) إلى مناحي وأوجه حياة المجتمع الأخرى.

إنَّ كل المواقف من هذه الثورات، والآراء فيها، يجب أنْ تُفْهَم على أنَّها مواقف وآراء تخصُّ حدثاً تاريخياً قَيْد الصنع؛ وهذا الحدث، ولجهة نتائجه النهائية، هو الآن، وسيبقى، مدار صراعٍ بين قوى الدَّفع في اتِّجاه تحرير أكثر وأكبر للمجتمع والإنسان وقوى الشدِّ العكسي.

مَنْ صَنَع، ويَصْنَع، الثورات العربية؟ ما هي دوافعه وغاياته؟ وما هي، من ثمَّ، "حقيقة" هذه الثورات؟

إنَّها أسئلة لا بدَّ من إجابتها، أو السعي في إجابتها؛ وإنْ كان بعض سائليها من سيئي الظَّن؛ لكنَّ الإجابة، أو الإجابات، يجب أنْ تكون، ولو قَدَر الإمكان، متصالحة مع "الحقائق الموضوعية" التي هي نفسها لمَّا تَكْتَمِل ظهوراً.

وإنِّي لأنْصَح (من أجل التوصُّل إلى إجابات موضوعية) ألاَّ يُعوَّل كثيراً، في البحث، على قواعِد ومبادئ منطقية، أو تبدو منطقية، كتلك الكامنة في سؤال "مَنْ المستفيد (ممَّا حَدَث ويَحْدُث)؟"، أو سؤال "مَنْ ذا الذي له مصلحة (في ما حَدَث ويَحْدُث)؟"؛ فكثيراً ما نرى (في الواقع وأحداثه) أنَّ "المستفيد"، أو "الذي له مصلحة"، ليس دائما (أو بالضرورة) هو نفسه صانع الحدث (الذي منه استفاد، أو كانت له مصلحة في حدوثه).

الولايات المتحدة، وعلى ما بَدَت في خطابٍ للرئيس أوباما، تُدْرِك (وإنْ في تَعارُض مع بعضٍ من مصالحها وأهدافها) أنَّ الزمن العربي قد اختلف وتغيَّر، وأنَّها قد تَجِد نفسها (إنْ عاجلاً أو آجلاً) في خارج العالم الواقعي للسياسة إنْ هي أبَت (بتأييد من تلك المصالح والأهداف) أنْ ترى هذا العصر العربي الجديد، "عصر الشعوب"، بعينين جديدتين؛ فهذه القوَّة العظمى في العالم ما عاد في مقدورها من الآن وصاعداً أنْ تَحْتَفِظ بنفوذها في العالم العربي، أو أنْ تَكْتَسِب مزيداً منه، إذا لم تَسْعَ في خَطْب وُدِّ الشعوب العربية؛ إنَّ صفحتها سوداء، وإنَّ عليها تبييضها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً؛ فَضِدَّ مَنْ تُبَيِّض صفحتها؟

إدارة الرئيس أوباما تَعْرِف جيِّداً أنَّ لدى الشعوب العربية عدوَّيْن هما إسرائيل وأنظمة الحكم الشمولي الاستبدادي؛ فهل تسعى في تبييض صفحتها لدى هذه الشعوب من خلال الانتصار لها، ولمطالبها، ضدَّ إسرائيل أم من خلال الانتصار لها، ولمطالبها، ضد حُكَّامها المستبدين؟

ليس لدى إدارة الرئيس أوباما من الإرادة والمصلحة ما يَحْمِلها على خَطْب وُدِّ الشعوب العربية من خلال وقوفها ضدَّ حكومة نتنياهو ولو في أمْرٍ تافه إستراتيجياً كالاستيطان الذي تُصرُّ هذه الحكومة على المضي فيه قُدُماً على الرغم من دعوة الرئيس أوباما لها، غير مرَّة، إلى وقفه إلى حين.

لم يبقَ لدى هذه الإدارة من خيار إلاَّ أنْ تَعْدِل، هذه المرَّة، عن انحيازها إلى أنظمة الحكم الشمولي بصفة كونها العدوُّ الثاني للشعوب العربية، وأنْ تشرع تُبيِّض صفحتها في هذا الصراع الجديد الذي أشعل فتيله الشاب التونسي محمد بوعزيزي؛ فالولايات المتحدة التي يمثِّلها أوباما حان لها أنْ تختار، فإمَّا أنْ تنحاز إلى "الرمز الجديد"، وهو البائع المتجوِّل بوعزيزي، وإمَّا أنْ تظلَّ على انحيازها إلى "الرمز القديم"، وهو الطاغية زين العابدين.

الميزان الذي يزن به أوباما الأمور هو، على ما أوضح، "قيم" الولايات المتحدة و"أمنها"؛ ولقد كان سؤال أوباما، من ثمَّ، هو "كيف يُمْكننا (أي كيف يمكن الولايات المتحدة) أن نَقِف من التغيير (الذي تصنعه وتقوده الشعوب العربية) موقفاً يعود بالنفع والفائدة على قيمنا وأمننا؟"؛ أمَّا "الإيجابية (النسبية)" في تقويمه لانتفاضة الشعوب العربية فنرى حيثياتها في أقوال له من قبيل: إنَّ ثورة الشعوب العربية (الإسلامية) كانت لجهة وسائلها وطرائقها وأساليبها ومطالبها وأهدافها وشعاراتها خير دليل على أنَّ هذه الشعوب أدركت، وتدرك، أنَّ "طريق بن لادن" مسدودة، وأنَّ السير فيها لن يأتي إلاَّ بما يضرها هي في المقام الأوَّل؛ إنَّ الدول العربية استقلَّت منذ زمن طويل؛ لكنَّ شعوبها لم تَسْتَقِل، فإنَّ قِلَّة قليلة من المواطنين احتكرت السلطة والثروة، فاستشرى الفساد، فأصبح المجتمع كهشيم يَنْتَظِر شرارة كشرارة بوعزيزي؛ إنَّ الانقسام القبلي والعرقي والطائفي الديني للمجتمع اتُّخِذَ وسيلةً للاحتفاظ بالسلطة، أو لانتزاعها والاستيلاء عليها؛ إنَّ استقرار المجتمعات العربية هو استقرار هشٌّ وخادع؛ لكونها تتماسك بقوى الخوف والقمع والإرهاب؛ وتحتاج الشعوب العربية الآن إلى أنْ تتماسك وتتَّحِد بقوى الديمقراطية، فإنَّ الاعتراف بالآخر هو الذي سيؤسِّس لوحدة مجتمعية جديدة صلبة تقوم على التعدُّدية والتَّنوع؛ إنَّ الثورات العربية أكَّدت "القوَّة الأخلاقية العظمى لسلمية الحراك الشعبي"؛ فبفضل هذه القوَّة استطاعت الشعوب العربية أنْ تُحقِّق في أسابيع وأشهر ما عجزت عن تحقيقه، بوسائل أخرى، زمناً طويلاً؛ إنَّ نظام الحكم الاستبدادي يمكن أنْ ينتصر على شعبه وثورته إذا ما فَهِم أنَّ رسالة المجتمع الدولي إليه هي "احْتَفِظ بسلطتك ولو من طريق إزهاقك أرواح كثير من مواطنيك".

أوباما (المُسْتَمْسِك بفضيلة "الإحساس بالتواضع") أقرَّ واعترف بالحقيقة التي يُنْكِرها، أو يشوِّهها، بعض العرب، أي أولئك الذين يمثِّلون أنظمة الحكم الأُوتوقراطية العربية، ويحامون عنها؛ فالولايات المتحدة (على ما أوضح أوباما وأكَّد) ليست هي التي أنزلت الناس إلى الشوارع في تونس والقاهرة. الشعب (في تونس ومصر، وفي غيرهما من البلاد العربية) ثار من تلقاء نفسه على حاكمه المستبد، وشرع يقرِّر مصيره بعيداً عن حاكمه (وضدَّه).

ولَمَّا نزل الشعب (من تلقاء نفسه) إلى الشارع، تهيَّأت للولايات المتحدة، على ما قال أوباما، "فرصة تاريخية" لإظهار نفسها على أنَّها منحازة إلى كرامة البائع المتجوِّل ضدَّ الدكتاتور والطاغية.

ومع ذلك أقول إنَّ هذه مواقف تختص بحدث تاريخي قَيْد الصُّنع، ولم يكتمل صُنْعاً بعد؛ ولسوف نرى الولايات المتحدة تُكشِّر عن أنيابها الإمبريالية عندما يفشل سعيها إلى "احتواء" الثورات العربية، وحلِّ الأزمة في العلاقة بين هذه الثورات وأنظمة الحكم العربية بما يخدم مصالحها وأهدافها الإمبريالية.

إنَّ علاقة الولايات المتحدة بالثورات العربية هي علاقة ظاهرها الصداقة، وباطنها العداء؛ وهذا العداء الكامن سيشرع يظهر، ويزداد ظهوراً، مع انتقال عمل "سكِّين" هذه الثورات من فروع وأغصان أنظمة الحكم إلى جذورها؛ فإنَّ في قطع هذه الجذور قَطْعاً لشريان النفوذ الإمبريالي للولايات المتحدة في البلاد العربية.

الغرب (والولايات المتحدة على وجه الخصوص) حان له أنْ يدرك أنَّ له مصلحة الآن في أنْ يتصالح مع شعوبنا وثوراتها الديمقراطية, وأنْ يتخلَّى عن نظام الحكم الاستبدادي العربي الذي أصبح, مع بزوغ فجر الشعوب العربية, عبئاً عليه وعلى مصالحه, وأنْ يتعلَّم أصول وقواعد العلاقة السليمة والسوية مع الدول الديمقراطية العربية الجديدة; فلقد ولَّى إلى غير رجعة ذلك الزمن الذي تضافر فيه الغرب ونظام الحكم الاستبدادي العربي على اضطِّهاد شعوبنا وإذلالها وقهرها.

لن ندعو الغرب الآن إلى أنْ يكفَّ عن انحيازه إلى إسرائيل ضدَّنا; فهذه الدعوة إنَّما تشبه صلوات الكهنة في عالم لا يدين إلاَّ بديانة الميكيافيلية; لكنَّنا ندعوه إلى أنْ يجنح للواقعية والبرغماتية في مواقفه من الثورات الديمقراطية للشعوب العربية, وأن يتصرف بما يقيم الدليل على أنَّه مُدْرِك لحقيقة أنَّ نظام الحكم الاستبدادي العربي الذي احتضنه ودعمه زمناً طويلاً قد انتهت صلاحيته, وحان لأسياده في الغرب, من ثمَّ, أنْ يديروا له ظهورهم, وأنْ يقفوا ضدَّ استخدام "الكتائب الأمنية (في كل دولة عربية)" ضد المدنيين العزَّل الثائرين عليه, والذين نزلوا إلى الشارع لنيل حقوقهم الديمقراطية والإنسانية, وانتصاراً لكرامتهم الآدمية التي لا يمكن بيعها وشراؤها في سوق النخاسة التي سارع بعض أنظمة الحكم الاستبدادية العربية إلى إقامتها ملبسينها لبوس "الثورة الاقتصادية" التي ستقيهم, على ما يتوهَّمون, شرور الثورات الشعبية الديمقراطية لشعوبهم.

بعض العرب (مِمَّن لم تستقم بعد طريقتهم في التفكير والفهم والنظر) ظنَّ، ويَظُن، أنَّ للولايات المتحدة (التي طالما تحدثت من قبل, وفي عهد رئيسها الجمهوري جورج بوش على وجه التعيين, عن الشرق الأوسط الجديد, أو الكبير) يد (خفية) في ما حدث ويحدث, وأنها وقفت (في السر والعلن) مع الثورة المصرية ضد نظام حكم حسني مبارك.

أمَّا إذا أردنا للمنطق أن يسود تفكيرنا فلا بد لنا من أن نفهم ونفسر جملة مواقف إدارة الرئيس أوباما من الثورة المصرية, ومن نظام حكم حسني مبارك, على أنها خير وأقوى دليل على أن الولايات المتحدة تخشى كثيراً عواقب استمرار وتعاظم الثورة المصرية; فإدارة الرئيس أوباما لم تُبْدِ ما أبدته من اعتراض على بقاء حسني مبارك على رأس نظام الحكم في مصر إلا لكونها تقف (في مصالحها وأهدافها الإستراتيجية في الشرق الأوسط) ضد بقاء الثورة المصرية مشتعلة, تزداد اشتعالا.

في الفلسفة، طالما رأينا الفيلسوف المثالي ينسب كل ما يعجز عن تفسيره (من ظواهر وأحداث في الطبيعة والمجتمع والتاريخ) إلى "الروح"، بأشكالها وصورها وتسمياتها المختلفة؛ فإنَّ "علة الشيء" لا وجود لها في داخله؛ يجب أن تكون في خارجه، وعلى هيئة "روح"، أو "قوى غيبية".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل