المحتوى الرئيسى

عزرائيل محطة مصر

06/27 08:16

إذا كنت عازماً على زيارة القاهرة خلال العامين المقبلين فاكتب وصيتك، ولا ترهق نفسك فى تلميع حذائك!!

هذه ليست نكتة، وإنما نصيحة من مجرب!

فأنا إسكندرانى كُتِب عليه أن يرى عزرائيل وجهاً لوجه كل أسبوع فى محطة قطارات رمسيس، فاتحاً ذراعيه بابتسامة مستفزة، تتحدى الثورة، وادعاءات التغيير، وشعارات احترام المواطن!

 التجربة المريرة تبدأ من ركوب القطار..

ولا تدّعِ النصاحة، وتقطع تذكرة فى قطارات الدرجة الأولى أو الثانية، فالبهدلة وقلة القيمة مصروفة ومضافة بنسب مدروسة على كل التذاكر بلا استثناء!

 قد تحظى بمقعد ثابت لا يتأرجح، مثل أغلب مقاعد القطار التالفة، لكن مقعدك بالتأكيد لن يكون نظيفاً، لأن معظم النوافذ مكسورة، أو مفكوكة..

وإذا أردتَ أن تتجنب ذرات الغبار الذى سيتسرب من ثقوب هذه النوافذ فعليك أن تضع كمامة على أنفك، وترتدى بياضة فوق البدلة مثل شرفنطح! إذا تصببتَ عرقاً بسبب حرارة القطار «المكيف» فلا تفعل مثل هذا الراكب الشاب، الذى لفت نظر عامل التكييف لذلك ببراءة، فصاح العامل فى وجهه: افتح الشباك لو مش عاجبك!!

وعندما تدخلتُ، وانتقدت فظاظته، صاح فى وجهى أنا الآخر، قائلاً: إنتو زودتوها أوى!!

طلبت منه أن يستدعى رئيس القطار، فقال بغضب: روح دوّر عليه!! حضر مساعد رئيس القطار، فإذا به يوبخنا على شكوانا بقوله: عيب ده زى أبوكو!!

ذكّرته بأن السن لم تعف مبارك من العزل عندما فشل فى أداء وظيفته، فانصرف دون أن ينطق بكلمة اعتذار واحدة!

فينِك يا قطارات لندن! الواحد يركب القطار مثل الباشا، ويجلس إلى جانبه الوزير والخفير.. من رابع المستحيلات أن تتعرض للإهانة، أو تلمس ذرة غبار على نافذة، أو تجد ورقة ملقاة على مقعد! وإذا تعطل التكييف لحظة واحدة فسوف تسمع مليون كلمة اعتذار.

عندما تصل إلى محطة رمسيس عليك أن تسير على أكوام الرمال والأسمنت، وتبتلع الأتربة، وتتفادى أسياخ الحديد، وألواح الخشب.. عليك أن تنظر فوق حتى لا يسقط على رأسك قالب طوب، وتنظر تحت حتى لا تسقط فى بالوعة مكشوفة.. عمال البناء يخلطون المونة تحت قدميك، ويدفعون بالرافعات وآلات الحفر خلف ظهرك.. ستشم غبار الخشب والأسمنت والطلاء والرخام..

وستتعثر فى الأنابيب والكابلات الممتدة وسط الكتل البشرية.. سيحملك الزحام رغماً عنك فى ممرات شبه مظلمة إلى خارج المحطة، حيث تغرس قدماك فى الرمال من جديد، ستفشل بالطبع فى جر أمتعتك الثقيلة، فتضطر لحملها على كتفيك.. وعندما تصل إلى مطلع كوبرى أكتوبر العشوائى تأكد حينئذ أنك ولدت من جديد، وأنك نفدت بجلدك من عزرائيل محطة مصر، الذى تربص بك، وخطط لاغتيالك فى زمن الثورة والحرية والكرامة وحقوق الإنسان.

إن الحكومات الديمقراطية لا تعرّض مواطنيها لهذا الخطر المميت، ولا تشيّد مشروعاتها على حساب صحتهم وسلامتهم.. كان ينبغى على وزير النقل أن يقضى فى المحطة أمس الأول أكثر من نصف ساعة، ليعايش الكارثة عن قرب، ويتخذ قراراً فورياً بتطهير هذا الحقل الملغوم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل