المحتوى الرئيسى

كلمـــــــة

06/26 23:46

وجوه فى ذاكرة جريئة!!

فى بيتنا نتعثر فى الكتب ونقول هذى ليست «هرجلة» بل ثقافة. ولقد حزنت وفرحت ـ قبل فرحة الثورة وبعدها ـ حين تاه منى وسط الحطام عمل فريد فى نوعه، وحين استعدته ثم تاه ثم استعدته، وفى المرة الأخيرة تشبثت به كالغريق وأقسمت ألا أفقده.

هو عمل كبير جدير بأن يحتفى به من يدعى باعا فى النقد فور صدوره، ذلك هو ديوان فاروق شوشة الأخير «وجوه فى الذاكرة»، وليست هذه الجدارة تعود فقط لشخص الكاتب ومقامه، بل هى فى الأساس تستند إلى نوع العمل.

لقد أتى شوشة فى هذا الديوان بعمل رائد فى الشعر، إذ هو قدم حالة وسطا بين اللوحة الأدبية والقصيدة بلغة تستقى من النثر ما يلزم طبيعة هذا العمل نصف السردي، لكنه احتفظ بالوسيط الذى يرتاح فيه، وهو الشعر الموزون، المقفى أحيانا، وكانت نتيجة هذا المزج أن أتى بنصوص تلتقى فيها مقاطع مباشرة تعتمد على السرد البحت، وأخرى فيها الرمز والاستعارة المألوفان فى الشعر، وهذه الثنائية نفسها نجدها فى الضمائر، فحين تكون اللغة سردية يتكلم الشاعر بضمير المتكلم عن الشخصية بضمير الغائب، وأحيانا يكون السرد خطابا يتوجه فيه الشاعر بالحديث إلى الشخصية لا عنها، أو هو يتحدث عنها للقاريء بشكل غير مباشر عن طريق مخاطبتها، (وهو أمر أقرب للشعر) وبهذا الأسلوب قدم فاروق شوشة «مرايا» شعرية لوجوه لاحت فى وجدانه فاستقرت صورتها فى المرآة بعد أن زال الوجه وصاحبه.

ومنذ الدقيقة الأولى »كان السابق دوما«، عن رفيق الطفولة والطموح والقرية، يتضح هذا السعى للغة خاصة تناسب طبيعة المغامرة الشعرية التى قام بها الكاتب، فيتجلى هنا تضافر المقاطع السردية «النثرية» المباشرة، والمقاطع الرمزية الاستعارية:

كنا غصنى شجرة

نبتت فى غفلة حراس الأرض

فلم يلتفتوا إلا حين اكتمل النبت وأزهر المبذول الشائع فى كلام الليل والنهار:

كنا نتهاتف أحيانا

كى نقطع صمتا طال

أو يخبر واحدنا صاحبه بمصاب حل

كرحيل صديق

ساعتها يجمعنا وقت وطريق لعزاء

نجلس محزونين

كئيبين

كأنا أخطأنا فى حق الميت

حين تركناه يواجه لحظته

وشغلنا عنه

هذه القماشة جديدة على الشعر، فلم يتطرق شاعر من قبل فى اعتقادى لسرادقات العزاء بتفاصيل عالمها.

وفى »فتاة الشرفة البيضاء« ـ كما يلوح من عنوانها ـ لغة أقرب إلى الشعر بمعناه المتعارف عليه، وإن تكن اللحظة التى تصورها القصيدة تنتمى لعالم ما نراه، وتنقله فوتوغرافيا لتظهر فى الصورة حالة رآها الكثيرون منا، ممن خالط سواد شعرهم البياض، لحظة بكر فى ديوان الشعر، ورومانسية موقف دون رومانسية لغة:

الآن أذكرها

وقد نثرت جدائلها على الكتفين

واتكأت على خشبات شرفتها

وقد حملت شقيقتها الصغيرة فى حنو وامتلاك

مثل أم تحتفى بصغارها

ثم حين تأكدت أنى هناك

وراء حائطنا الذى يبنى ولما يكتمل

راحت تهدهدها

وتغرقها بألوان من التقبيل والضم التى تتجاوز المألوف

فى العينين والشفتين والكتفين

والرأس الصغير

وفى اليدين

وفى قصيدة »الزعيم« يستعيد شوشة خطاه الأولى فى وسط المدينة لينقل لنا شخصية غريبة تتفتح حكايتها بالتدريج، وفى تناوب بين السرد والمونولوج، أحيانا الحاكى هو الشاعر وأحيانا هو »الزعيم«:

قامته الباسقة العفية

لحيته الكثيفة الوحشية البيضاء

حمرة عينيه اللتين تطفحان بالشرر والغضب

وخطبة يومية يلقى بها على الصحاب والرفاق

..................

»العالم الموبوء والمختل لم يعد يطاق«

هكذا يخاطب ذلك الرجل الذى رسمه لنا الشاعر، وفى آخر الليل يسيران معا، فيعترف المرسوم للراسم بسر حاله:

أسلمت أمرى التى عشقتها

وقلت إنها الحياة والوجود والهناء

..................

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل