المحتوى الرئيسى

الفصل بين "الرأسمال" و"الصحافة"! بقلم:جواد البشيتي

06/26 23:06

الفصل بين "الرأسمال" و"الصحافة"!

جواد البشيتي

إنَّها لمشكلة حقيقية تُواجِه الصحافة (وعندنا على وجه الخصوص) وتتحدَّى كل من له مصلحة في وجود وتطوير صحافة ديمقراطية حُرَّة أنْ يَجِد لها حلاًّ واقعياً وسريعاً، يساهم، قَدَر الإمكان، في حفظ وصون حقِّ المجتمع في أنْ تكون له صحافة تُعبِّر عن همومه واهتماماته، وتعالج قضاياه الحقيقية، وتستحق فعلاً لقب "السلطة الرابعة".

وأعني بهذه المشكلة، التي لا تَظْهَر بكثيرٍ من الوضوح لدى العامَّة من الناس إلاَّ في أوقات الضيق والشِّدة والأزمات، سيطرة الرأسمال الخاص (الذي يخصُّ أفراداً وعائلات ومجموعات من المستثمرين يتداخَل فيها الرأسمال المحلي والرأسمال الأجنبي) على الصُّحُف، وعلى "اليومية" منها على وجه الخصوص؛ فإنَّ تملُّك الرأسمال الخاص لصحيفة يومية هو بحدِّ ذاته مشكلة، أو مَصْدَر لكثيرٍ من المشكلات، التي تَعْتَرِض حرِّية وديمقراطية الصحافة.

والقانون المعمول به في سوق الإعلام، والمشتق من شريعة السوق الحرَّة، والتي ما عادت بحُرَّةٍ منذ وقت طويل، يعطي الحق لأيِّ مستثمر، أو صاحب رأسمال، في امتلاك وإصدار صحيفة، تساهم مع سائر الصحف ووسائل الإعلام الأخرى في صناعة الرأي العام، والتحكُّم في ما يَدْخُل إلى عيون وآذان الناس، وفي ما يَخْرُج من أقلام الصحافيين والكتَّاب، وتغليب اتِّجاه (سياسي وفكري وأدبي وفني وفلسفي..) على اتِّجاه من خلال التمويل والترويج والتسويق.

والصحافة اليومية، ومن وجهة نظر تجارية واستثمارية واقتصادية صرف، ليست بالسوق التي، بحدِّ ذاتها، يمكن أنْ تُغْري أو تَحْمِل مستثمراً، أو صاحب رأسمال، على أنْ يستثمر ويوظِّف فيها أمواله؛ فهذه "السلعة" أو "الخدمة"، وإذا ما حدَّدْناها بتقديم الخبر والمعلومة والرأي إلى القارئ، لا تكفي، بحدِّ ذاتها، لاستعادة الرأسمال المُنْفَق في صناعتها، ولإضافة ربحٍ إليه، بما يجعل معدَّل الربح في هذه السوق كمعدَّلِه على وجه العموم.

ومع ذلك، نرى أفراداً (وبعضهم مِمَّن لا شأن له بعالم الصحافة والإعلام، ولا يَفْقَه من السياسة إلاَّ ما يكفيه لتسيير أموره التجارية الشخصية) يندفعون في استثمار رؤوس أموالهم في سوق الصحافة، وفي تملُّك وإصدار الصحف؛ أمَّا ما يُزيِّن لهم ذلك، ويحملهم عليه، ويغريهم به، فهو مقاصِد ومآرب سياسية ضيِّقة لا تخصُّهم هُم في المقام الأوَّل؛ وإنَّما تخصُّ جهات وقوى سياسية وحكومية ليست جميعاً محلية، فبعضها أجنبي.

إنَّ الصحيفة اليومية هي بحدِّ ذاتها مشروع تجاري أو استثماري خاسِر (ويبدو أنَّها يجب أن تكون كذلك من وجهة نظر اقتصادية) إلاَّ إذا وَضَعَت نفسها (ومن خلال مالك رأسمالها) في خدمة قوى وجهات سياسية حكومية وفي داخل أجهزة الدولة، لها أجنداتها الخاصة، وتتمتَّع بنفوذ إعلاني قوي وواسع، من شأنه أنْ يُحوِّل الصحيفة نفسها إلى مشروع تجاري واستثماري رابح من وجهة نظر اقتصادية أيضاً.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل