المحتوى الرئيسى

ثورتا تونس ومصر، قراءة أولية محايدة بقلم:مصطفى القرة داغي

06/26 21:06

رغم عدم قناعتي بالشرعية الثورية وآلياتها سواء كانت ثورات وإنتفاضات يقوم بها الشعب، أو إنقلابات عسكرية يقوم بها الجيش، إلا أن ما جرى قبل أشهر في كل من تونس ومصر كان حدثاً يستحق التقدير، تحقق رغم ما شابه من أخطاء بأسلوب حضاري عِبر جماهير مُنَظّمة مُنضَبطة ومنظمات مجتمع مدني لها أهداف واضحة، مقارنة بأغلب الثوارت التي شهدها العالم في العقود المنصرمة، والتي إتسَمَت بالفوضى والوحشية وإنعدام الهدف والتنظيم، وغالباً ما كانت تبادر بها الجيوش أو جموع العوام والرعاع ثم يتبع أحدهما الآخر،مُخَلِّفة ورائها فوضى ونظماً أسوء من تلك التي ثارت عليها. لذلك يستحق الحدث أن نتوقف عنده قليلاً لدراسته وتقييمه وإستخلاص الدروس والعبر،التي قد تنفعنا وشعوبنا خلال الفترة القادمة، والتي نتمنى أن تكون أفضل من التي سبقتها.

بدئاً سأتوقف قليلاً عند فوبيا الإندفاع المفرط والمبالغ فيه بتأييد إنتفاضة شعبي تونس ومصر،التي إجتاحت المجتمع العربي عموماً والعراقي تحديداً خلال الفترة الأخيرة، والتي لوحظت على صفحات الإنترنت وشاشات التلفاز. فجأة بعد سُبات عقود باتت هذه المجتمعات بمُثقفيها وعوامها ثورية مؤيدية للثورات والإنتفاضات، وأخذت تصُب غضبها على زين العابدين ومبارك ووصفتهم بأبشع النعوت والألقاب، وهو أمرطبيعي منطقي بحال بَدَر مِمّن عُرفوا بتأييدهم لحق الشعوب في الحرية ووقوفهم ضد النظم الإستبدادية الفاسدة بمختلف توجهاتها الفكرية، أما أن يأتي التأييد مِمّن سكتوا على الضَيم لعقود ولازالوا يهرولون وراء حُكام العراق الجُدد وسَبَق وتبرؤا من أمتهم العربية وشعوبها ؟ أو أن يأتي مِمّن إستمرؤا الضَيم ولازالوا يرون صدام بطلاً قومياً ؟ فهذه والله لمن عجائب الدهر وغرائبه !

هنا لا بد لي أن أتسائل..هل نسي بعض العراقيين أن حُكامهم الجُدد الذين يُسَبّحون بحمدهم ليل نهار منذ 8 سنوات لم يوفروا لهم حتى الآن الأمن والخدمات، وجاؤوهم بفكر ظلامي دخيل أدخلهم بأتون حرب أهلية طاحنة مزقت نسيج بلادهم الإجتماعي، بالإضافة للبطالة والفساد الإداري اللذان يزيدان هذا النسيج تمزقاً وتفسخاً يوماً بعد آخر؟ رغم ذلك نراهم لايحركون ساكناً ويعيدون إنتخابهم مرة تلو الآخرى، وكانوا حتى الأمس القريب يَصِفون الشعوب العربية بأنها تُمَجّد الطغاة كصدام وترسل الإنتحاريين لقتل العراقيين، فإذا بهذه الشعوب تثور على حكامها مُحققة ما عَجزوا هُم وحُكامهم الجُدد عن تحقيقه دون مساعدة خارجية، وأعطتهم درساً سيبقى غصة بأفواههم أبد الدهر، وللتغطية على فشلهم وخيبتهم وجدناهم اليوم وعملاً بنظرية (على حِس الطبُل خفّن يا رجلية) مُنظِّرون في الديمقراطية وحقوق الإنسان وأخوة أحبة للشعبين التونسي والمصري وتذكروا اليوم فقط بأنهم أشقاء لهم، فما عدا مما بدا!. أما البعض الآخر، فقد نسوا بأن بطلهم القومي لم يفعل ما فعله زين العابدين ومبارك رغم أن الفرصة سنحت له بذلك، بعد خروج إجتماع القمة العربية الذي سبق الغزو الأمريكي بمقترح دعوة صدام لترك العراق وإستضافته مِن قبل الإمارات، لتجنيبه وشعبه غزواً أجنبياً كانت طبوله تقرع من بعيد، ومستقبلاً مجهولاً كان يلوح بالأفق، إلا أنه كعادته رفض الأمر وكال الشتائم لأصحاب المقترح وعلى رأسهم زايد رحمه الله وألقى عليهم خطباً فارغة في الصمود والتصدي وأصر على البقاء بالسلطة،وأدخل بلاده بدوامه غزو أجنبي وفوضى سياسية إجتماعية لايزال العراق يعيش تداعيتها لليوم. لذا فالتونسيون والمصريون ليسوا بحاجة لمن يُزكّيهم ويُنظِّر لهم، بعد أن أثبتوا بعكسنا أنهم يفقهون معنى الديمقراطية ويُحسِنون إستخدام أدواتها على الأقل أفضل منا، سواء كانوا أفراداً أو تجمعات سياسية ونقابية،التي كان لها دور مهم وأساسي بتحريك الشارع وتنظيم تظاهراته، إذ لم نشاهد تخريباً وتدميراً للممتلكات العامة والحكومية إلا ماندَر، ومِن أطراف إندست بالتظاهرات في الفترة الأخيرة، ومحاسبة المُسيئين من رموز الفساد بالنظم السابقة تتم (حتى الآن) بتعقل بعد تشكيل لجان من أناس مَشهود لهم بالإستقلالية والكفاءة للبحث بالأمر، وكان ملفتاً للنظر ولايزال خطاب عموم النخبة السياسية المعارضة والإعلام التونسي والمصري المعتدل بعد التغيير تجاه رموز الحكم بالأنظمة السابقة رغم وجود إستثنائات لإعلام بدأ يستخدم خطاب وصولي لمحاولة ركوب موجة الثورة، فحتى الآن لم نسمع أحداً يَسُب زين العابدين ومبارك وعائلتهما ولازال وصفهما الرئيس السابق. بالمقابل شهدت إنتفاظة 1991 العراقية فوضى وقتل وتخريب وإعتداء على الممتلكات، إضافة لدَور المعارضة العراقية السلبي بتوجيه الإنتفاظة وحَرفها نحو أهداف طائفية، والتي فضلت لعب دور المتفرج بإنتظار النتيجة لتنقض وتقطف ثمارها إن نجحت، أو لتكفي نفسها شر النظام السابق إن فشلت. كذلك الحال مع ماجرى بعد الإحتلال الأمريكي عام 2003، حيث نقلت شاشات التلفاز صوراً مُخجلة لرعاع وصَفَهم البعض بالثائرين وهم ينهبون دوائر الدولة من الإبرة للدولاب، والأدهى والأمَر كان دور بعض دكاكين المعارضة العراقية بعد دخول العراق التي شاركت الرعاع سَلبَهم ونهبَهم لدوائر الدولة بدل منعهم،وحَرّضَت حكومة الإحتلال على حل أجهزة الدولة، ومارست سياسة إجتثاث ثأرية لِمَن عملوا زمن النظام السابق، وإمتاز خطابها الإعلامي ولايزال بالسَب والشتيمة ضد النظام السابق ورموزه رغم موت الكثيرين منهم.

نتمنى على أصحاب مقولة " هوة يكدر واحد ياخذهة حتة نطيهة بعد " من حُكام العراق الجدد أن يأخذوا الدروس والعبر مما حدث للرئيسين التونسي والمصري، فقد ثبت بالدليل القاطع أن هنالك دائماً مَن بإمكانه إسقاط الأنظمة الدكتاتورية، سواء كان قوة عظمى كأمريكا وما فعلته في العراق، أو شعوب ترفض الظلم والهوان والإستكانة كما حدث في تونس ومصر، والحبل عالجرار لمن لا يسمع صوت العقل ويسير خلف عقده وأوهامه من الحكام العرب، الذين قد يعيد بعضهم حساباته ويلتفت لشعبه قبل فوات الأوان ويترك الرهان على قوى ومشاريع إقليمية وخارجية سرعان ما ستقلب له ظهر المجن حال سقوطه، فيما سيبقى البعض الآخر بضلاله وغيّه كالرئيس الليبي معمر القذافي حتى يأتي يومه وهو قريب لينتهي كنهاية صدام وربما أسوء. إن زمن الديكتاتوريات قد ولى، ولابد من إصلاحات إقتصادية وسياسية جذرية بأغلب الدول العربية لإنقاذها وشعوبها وحكامها من مصائر مجهولة كتلك التي ذهب إليها العراق بعد صدام، والتي قد تذهب إليها تونس ومصر بعد زين العابدين ومبارك لا سمح الله.

لا بد لنا من وقفة تقييم مُنصِفة ومُحايدة مع زين العابدين ومبارك. فزين العابدين ورغم سلبياته التي يتم التركيز عليها مِن قبل أغلب مَن يتناولون أحداث تونس، قدّم لبلاده إنجازات إقتصادية وإجتماعية مهمة وتأريخية يجب الحفاظ عليها وعدم إحتسابها على سيئات النظام السابق، وبالتالي التفريط بها والإنقلاب عليها في غمرة الإنفعال بالتغيير، على رأسها جعله لبلده بصدارة الدول النامية إقتصادياً فقد نجح بتحقيق نسبة نمو بمقدار 5% سنوياً طيلة 20 سنة بدون انقطاع وتحويل 80% من الشعب إلى الطبقة الوسطى، وخفض مستوى البطالة لأقل من14%، كما جعل من بلاده قِبلة للسياح من كل أرجاء العالم، وكان علمانياً بإمتياز حيث نجح بعَلمَنة مؤسسات الدولة التونسية ومجتمعها، وإندثرت من الشارع التونسي وخصوصاً في العقد الأخير من سنين حكمه ظاهرة النقاب والسراويل القصيرة واللحايا الطويلة التي تُمَيّز بل وتسود حالياً أغلب المجتمعات العربية والإسلامية، كما سَجّل الرجل سابقة لم يسبقه اليها أحد ولم يلحقه بها حتى الآن سوى الرئيس المصري مبارك، تمثلت بتركه للسلطة، وهي خطوة شجاعة في زمن يقود فيه الساسة أحزابهم ودولهم منذ نصف قرن ولا ينوون تركها سوى للقبر مباشرة، فقد تنحى الرجل عن السلطة، ولم يستخدم الدبابات والمدافع والطائرات لقصف أبناء شعبه، وكم كان معيباً ومخجلاً موقف بعض الزعامات العربية التي رفضت إستقباله على أراضيها، ولم تسمح لطائرته بالهبوط بمطاراتها وتركتها تحلق في الجو لساعات طويلة،ونسي هؤلاء الزعماء أنه سيأتيهم يوم قد لايستطيعون فيه الوصول للطائرة وركوبها، وإن نجحوا فسَيَتوَسّلون السماح لهم بالهبوط في إحدى العواصم كما حدث مع زين العابدين الذي لم تُسعِفه سوى السعودية التي عودتنا دائماً أن تلعب دور الأخر الأكبر مع أشقائها،كما كان غريباً موقف بعض الحكومات الغربية كالحكومة الفرنسية التي تعاملت مع الأمر بميكافلية واضحة، فإنقلبت بين ليلة وضحاها من داعمة لزين العابدين ومتغاضية عن كل أعماله الى ناقمة عليه وعلى أقاربه ونصيرة للشعب التونسي وإنتفاظته، ولكن ماعسانا أن نقول، فهذا هو حال السياسة. أما الرئيس حسني مبارك، فمناقبه التي يمكن أن نحسبها له أكثر من مثالبه التي أودت بنظامه، وهو رغم سلبياته التي لايخلو منها زعيم عربي، لم يكن بالسوء الذي يصوره به البعض هذه الأيام،فقد قدم الكثير لبلاده ولأبناء شعبه وكان مخلصاً لهم،ولم يدّخر وسعاً لخدمتهم بشتى الطرق والأساليب، كما كان له دور مهم بالحفاظ على أمن وإستقرار بلده وعموم المنطقة العربية والشرق الأوسط، وسأتحدث عن كل هذا بتفصيل أكثر في مقالات قادمة إن شاء الله.

تحية لجيشا تونس ومصر الذان اثبتا بحق أنهما جيشان للوطن وليس للسلطة، يوم لم يتدخلا في الأحداث لا الى جانب الشعب ولا الى جانب السلطة، وقاما بتأدية واجبهما الوطني الذي وجدا لأجله وهو حماية البلاد والعباد وحفظ أمنهما، وهي ظاهرة فريدة لم نعهدها سابقاً لدى الجيوش العربية، عشناها فقط قبل أشهر مع جيشا تونس ومصر، بالمقارنة مع بعض الجيوش العربية التي لعبت أدوراً سلبية خلال مراحل مختلفة من تأريخ بلدانها كالجيش العراقي ودوره السلبي بأحداث مايس1941 وتموز1958 وشباط1963.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل