المحتوى الرئيسى

جابر رزق.. في ذكراه المتجددة

06/26 18:29

بقلم: سيد نزيلي

سنظل نذكر يوم 21 من يونيو 1988 كذكرى لوفاة المرحوم بإذن الله تعالى جابر رزق، باعتباره مؤسسًا للمدرسة الإعلامية الصحافية للإخوان المسلمين في الربع الأخير من القرن الماضي.

 

وفي يوم الأربعاء 22 من يونيو 2011م، أقامت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين مشكورةً، وبجهود كريمة من الأستاذ محمد عبد القدوس حفلاً لذكرى وفاة جابر رزق، شارك فيه كوكبة من زملائه في المهنة، وإخوانه في السجن وفي الحياة الإخوانية العامة، ونخص بالذكر من هؤلاء جميعًا، الأساتذة الأفاضل: حسنين كروم، وعبد العظيم مناف، ود. حلمي القاعود، ود. عصام العريان، ود. محمود عزت، والشيخ أحمد محمد هليل، والسيد نزيلي، وأدار الحفل الأستاذ صلاح عبد المقصود نقيب الصحفيين بالإنابة، كما شارك بمداخلات كل من الأساتذة: أحمد عز الدين، وحازم غراب وقطب العربي، كما تقدم أيمن جابر رزق بالشكر لكل المتحدثين والحاضرين.

 

بعض من صفات جابر رزق:

لعل أبرز ما يتصف به جابر رزق حسن التوكل على الله، وتفويض الأمر كله له سبحانه، فما إن وطئت قدماه السجن الحربي، حتى خلع الدنيا وتركها خلف ظهره، وبدأ ينسى أو يتناسى أن له زوجةً وفيةً مخلصةً وابنين هما أيمن وأشرف، رغم حبه أسرته حبًّا شديدًا، ولكنه خشي من تعلقه وانجذابه لهذه الأسرة، أن يشده ذلك إلى الضعف، أو الركون إلى (الذين ظلموا) بسبب الحرص عليها فيخسر كل شيء، فحزم أمره منذ بداية المحنة أن ينسى كل ما يربطه بخارج أسوار السجن، حتى ولو كانت أسرته محبوبته، وأن ينقطع- كما يذكر في كتاباته- إلى فقه الوقت، وواجب الحال، وأن يرجع الأمر لصاحب الأمر، الذي بيده مقاليد كل شيء، ولذلك تراه دائمًا في ذكر لله عز وجل، متمثلاً قول الرسول "ولا يزال لسانك رطبًا بذكر الله"، وقول الله عز وجل: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: من الآية 44)، وقد انشغل جابر رحمه الله بالقرآن الكريم حفظًا وتلاوةً وتدبرًا، ورأى في ذلك العوض الكافي عن الدنيا وما فيها.

 

وكانت تربطه بإخوانه جميعًا، عاطفة حب ووشائج عميقة من الأخوة، وخاصةً من كان على صلة بهم قبل بداية المحنة، فيذكر أنه وهو ينظر من نظارة باب الزنزانة، وهي فتحة صغيرة يستكشف منها السجن وما يدور في فنائه من أحداث ووقائع، إذا به يرى السيد نزيلي وكمال الفرماوي، رفيقيْ صباه من كرداسة، وحامليْ نفس فكره ودعوته في الإخوان المسلمين، فإذا به يصيح مجهشًا بالبكاء، بصوت عالٍ، حتى خاف عليه رفقاؤه في الغرفة وطلبوا منه خفض صوته لسوء عاقبة انكشاف الأمر لدى حراس السجن الجلادين.

 

وكان جابر- رحمه الله- جادًّا في حياته سواء في السجن أو خارجه، ذا عزيمة قوية وإرادة لا ضعف فيها، وكان يتمثل قول الله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (مريم: من الآية 12) وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)﴾ (الأعراف).

 

ولذلك كان يلوذ بقوة الله وعظمته، ويعوذ به من همزات الشياطين ووساوس إبليس اللعين.
وكان رحمة الله عليه، يحب دعوته وجماعته ويحب كل من ينتسب إليها، أو ذاق قلبه حلاوتها، وفاق هذا الحب وهذا التعلق كل شيء في حياته لذلك كنت تراه ثابتًا كالطود، لا يتطرق إلى نفسه في صحة وصدق ما هو عليه، أي شك أو ريبة، أو اهتزاز أو تردد.

 

وكان عظيم الأمل في نصر الله وفرجه، وعلى يقين بأن الله ناصر عباده ومنجز وعده وهازم أعداءه لا محالة، إذ النصر مع الصبر، وإن مع العسر يسرًا، وأنه:     

ما بين طرفة عين وانتباهتها     يحول الله أمرنا من حال إلى حال  

 

وأن المعول عليه في ذلك كله هو حالنا مع الله عز وجل، ومدى استقامتنا على نهجه وطريقه، ومدى إخلاصنا وصدق توجهنا إليه سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾ (التوبة: 119).

 

جابر في سجن قنا:

خرج جابر- وكل الإخوان- من السجن الحربي بعد حرب 67، أو ما يطلق عليها الهزيمة أو النكسة، ومكثنا في هذا السجن أو السلخانة قرابة العامين، ثم تم ترحيلنا جميعًا إلى سجن ليمان طرة، وفيه قضينا عامًا ونصف العام في غرف لا يليق بآدمي أن يعيش فيها، إذا حشرنا حشرًا، كل سبعة أفراد في غرفة لا تزيد مساحتها عن أربعة أمتار، وهي كالمقبرة لا ضوء فيها ولا هواء، ولا ماء.

 

وقد كنت مع جابر رزق ومجموعة أخرى (25 أخًا) تم نقلنا في عام 1968 إلى سجن قنا، وهناك وبعد أكثر من ثلاث سنوات من بدء المحنة قد بدأنا مرحلة جديدة تختلف عن ذي قبل سواء في السجن الحربي أو في ليمان طرة، إذ كانت الحياة الجديدة أكثر يسرًا وراحة نسبية ولكن كله سجن طبعًا!!

 

المهم، أن في سجن قنا قد تبلورت شخصية جابر، ووضح نضجه الفكري وانحيازه المطلق لتوجه الجماعة واختيارها الفقهي، إذ في هذه الفترة من حياتنا في السجن، ثارت قضية التكفير بين بعض الإخوان وخاصة الشباب أو الجدد منهم الذين هالهم ما وجدوا في الحربي من تعذيب وتنكيل وإبادة، فحمل بعضهم بذور التكفير، وعندما التقى الإخوان الجدد بالقدامى في سجن قنا وكان القدامى على قدم راسخة من العمل للدعوة والبساطة في فهمها وكان جابر رزق معجبًا أشد الإعجاب بإخواننا الكبار ونهجهم الفكري الوسطي، كما كان أول المسارعين للالتزام برأي الجماعة، وبمقولة الأستاذ الهضيبي- رحمه الله- "نحن دعاة ولسنا قضاة".

 

دور جابر المؤثر في الإعلام والصحوة:

كانت الدعوة هي الشغل الشاغل للمرحوم جابر فلقد ظل متمسكًا بمبادئه مواصلاً الطريق الذي اختاره- كما يذكر المستشار عبد الله بن عقيل في مجلده الضخم "من أعلام الدعوة الإسلامية في مصر"، وألف عدة كتب كشف ما يجري في المعتقلات والسجون من تعذيب وانتهاك بشع لكرامة الإنسان وحقوقه المشروعة، وفضح المؤامرات والمخططات التي أشعلها الغرب (أمريكا وأوربا) وقوى الإلحاد والإباحية وحركات الهدم والماسونية، وكان رحمه الله مهمومًا بقضايا العالم الإسلامي، وقام بتعميق دور الصحوة الإسلامية المعاصرة وأرسى قواعدها وأشاع مفاهيمها وركز على برامجها التربوية العملية وخاصة بين الشباب، وأوجد قاعدة إعلامية لجماعة الإخوان المسلمين ومدرسة رائدة على رأسها كل من الأساتذة صلاح عبد المقصود، وبدر محمد بدر، وأحمد عز الدين، وغيرهم كثير، كما كان له دور بارز في جمع شعر الشهيد محمد عواد الذي سقط شهيدًا محطمة رأسه على جدران نافورة بالحربي دون أن ينطق بكلمة عن إخوانه، بل صبر وصابر حتى لقي ربه شهيدًا.

 

ماذا لو كان جابر بيننا هذه الأيام؟:

وفي الكلمة التي ألقيتها في الاحتفالية المذكورة بنقابة الصحفيين بمناسبة مرور ثلاثة وعشرين عامًا على وفاة جابر رزق، قلت، لو كان جابر رزق بيننا وقت قيام الثورة الميمونة في الخامس والعشرين من يناير 2011م، هذه الثورة التي التف حولها الشعب المصري من أقصى مصر إلى أقصاها، كان سيعطي الثورة كل تأييد ومساندة يؤازر الثوار في ميدان التحرير وفي كل ميادين مصر كلها، ويعبئ الجهود للثبات أمام فلول النظام، والضربات المتلاحقة بقصد الإجهاز على الثورة، وأحسب أن جابر رزق كان سيوظف طاقته الإعلامية في الآتي:

 

* الوقوف ضد معوقات الثورة، من وقفات احتجاجية، ومطالب فئوية، وتعطل حركة الحياة في البلاد، وتوقف عجلة الإنتاج وظهور جحافل البلطجة، عيانًا بيانًا، تهديدًا لأمن الناس، وسعيًا للإفساد في الأرض.

 

* كشف زيف إعلام العهد البائد وموقفه الشائن من ثورة الشعب، والمطالبة بتطهير الإعلام من عملاء عهد مبارك، وكشف المتحولين من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، هؤلاء الذين يأكلون على كل مائدة، "وماشيين مع الرايجة" فلا مبدأ ولا خجل.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل