المحتوى الرئيسى

محمود حامد الشريف يكتب : "الفيسبؤ" ... من اختطاف الثورة إلى اختطاف الوعي

06/26 16:55

     ثمة أكذوبة أن الثورة من صنع الشباب وليست من صنع الشعب المصري بكل أطيافه ورجالاته؛ وأن الفيسبؤ هو الذي نفخ في الثورة من روحه وسواها حتى استقامت على عودها ؛ مع أنه لم يكن سوى بوق أشد نفيرا ؛ ولا ننكر عليه دوره في هذا. وكانت هناك هواجس بأن الموقع قد اختطف الثورة ، وخيل للناس أن الفضل كله بيد الفيسبؤ . وليس من المبالغة أن هذه الهواجس تجاوزت أكثر الخيالات تشاؤما؛ فالموقع  بصدد اختطاف الثقافة وليس الثورة فحسب.

    فلقد تحول هذا الموقع من مجرد شبكة للتواصل الاجتماعي إلى منصة للتثقيف – أو التسطيح- السياسي، وصدى للمكلمة المتواصلة على الفضائيات . ومكمن الخطر هنا أن الفيسبؤ يصنع حالة من الأمية الثقافية والسياسية ؛ فهو تجسيد للثقافة الشفاهية السماعية التي تعتمد على الأقاويل والطنطنة بمصطلحات لا يدرك قائلوها غالبا مدلولها الثقافي . وبعد أن كنا نتواصى بقراءة ما تحت السطور ؛ فإننا بتنا نناشد بقراءة ما تحت المانشيت . وتجد معظم الناشئة تصدر استشهاداتهم عن كثير مما يبث على صفحات "الفيسبؤ"، وما يعلق عليها من روابط لموقع اليوتيوب.

    وبكل تبجح تجد الكثرة الكاثرة تستشهد بكتابات لكتاب هم في عالم الفكر أقرب إلى شعبان عبدالرحيم في عالم الغناء؛ كتاب من أصحاب كتابات "شكلها خابت" و"عايزة أتهبب"... وهلم جرا. تقول لأحدهم: قال الغزالي ومالك بن نبي أو لوك وسارتر وإدوارد سعيد؛ فيقول لك "طب شفت المقطع ده على اليوتيوب والصورة مبتكدبش". ولا ينس أن يذكرك دائما بأنه ليبرالي أو ليبرالي ذو مرجعية إسلامية؛ وهو لم يقرأ كتابا واحدا عن الليبرالية؛ ولا يعرف كيف يستنزه من بوله بعد. ولعل مبعث تشبثهم بالليبرالية ليس تمجيدا لإعمال العقل، بل لأن معظم أصدقائه وصديقاته يسجلن الليبرالية كتوجه سياسي على سجلهم بالموقع؛ فلتكن الليبرالية هي الموضة إذن؛ طالما أنها الأكثر شيوعا على سجلات الشلة بالفيسبؤ.

    ناهيك عن الضجيج العالي وتبادل الاتهامات في سجالات أشبه بمنازلة طواحين الهواء؛ وإنزال عقوبات الحذف من قائمة الأصدقاء. وتتشكل كل ساعة مجموعات تجذب إليها بعض المئات وسرعان ما تخبو. وأصبح استقطاع المزيد من الوقت للتعاطي مع الفيسبؤ هو الفريضة الغائبة؛ وجريمة وطنية لو عاتبت أحدا على إدمان الفيسبؤ. أليس الفيسبؤ هو صانع الثورة؟ّ! وغدا كل شبابنا مناضلين ومجاهدين على الفيسبؤ وحذار من تسفيه هذا الاتجاه؛ فالفيسبؤ غدا عمل وجهاد ونضال من أجل الحرية والكرامة ونشر الوعي .....

   وأصبح الكثير من الكتاب بل حتى القائمين على الصحف يسترضون جنرالات الفيسبؤ من المعلقين والمعجبين. وغدا "زر أعجبني" هذا هو العجب العجاب؛ فما تعلق منشورا حتى تجد من سجل إعجابه بهذا المنشور قبل أن يقرأه. ولم يكن من عجائب الدنيا أن تنزل المؤسسة العسكرية من علياء رصانتها إلى ساحة الفيسبؤ.

   ولا غرو أن الكثيرين أو معظم الفتيات اللاتي كنا حتى عهد قريب يضعن صور مهند ونور ويتباكين على سنوات الحب الضائع خلف أسوار الجامعة ؛ أصبحن بين عشية وضحاها من رجالات الفقه الدستوري. وكان أكثر ارتباطهن بالثقافة يتمثل في التردد على ساقية الصاوي على طريقة "هاي شلة يلا نروح النادي" . فما بالكم لو أن هناك حدثا جللا ما، وثمة تعليق وكانت صاحبة التعليق فتاة حسناء ولها أكثر من 4 آلاف صديق على الفيسبؤ، ومثل هذا العدد من الصور الشخصية؛ تجد الجميع ينبرون للإدلاء ببؤهم . وتكثر البأبأة الأمر الذي يسكب مزيدا من الزيت على نيران الفتنة . ولست هنا بصدد تسفيه عقول الفتية والفتيات ولكن هذا الاتجاه المتطرف نحو الانشغال بالشأن العام يحمل في ظاهرة الرحمة وفي باطنه العذاب. هذا التحول الفجائي إلى النقيض تماما، ينذر بانتكاسة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل