المحتوى الرئيسى

الفساد والشخصية العربية

06/26 16:48

فاطمة الصايغ

يعتقد الكثيرون بأن الفساد هو الرشوة والارتزاق من وراء الوظيفة العامة أو الاستيلاء على المال العام دون وجه حق، بمعنى أنه فساد مادي، ولكن الفساد ليس دوما ماديا بل يتمثل في المقام الأول في فساد الذمم والأخلاق والسكوت عن الحق وهو الأمر الذي يحول الفساد إلى آفة مجتمعية يمكنها في حال تفشيها وعدم محاربتها أن تتسبب في ضياع المنجز العام بأكمله. لقد كان الفساد أحد أهم أسباب الثورات العربية وأحد أهم القضايا التي أثارت جدلا أخلاقيا في عالمنا العربي لم ينته بعد. فنسب الفساد في العالم العربي والإسلامي هي الأعلى عالميا رغم أننا نعيش في مجتمعات تعد نفسها «مجتمعات متدينة» والدين في المقام الأول ضد الفساد الأخلاقي والمادي بل والمعنوي أيضا والذي قد يصدر من الفرد أو المؤسسة العامة أو راعى الحق العام.

نسب الفساد التي أعلن عنها عقب الثورات العربية كانت هائلة لدرجة أنها أثارت الرأي العام العربي أكثر بكثير مما أثارته قضايا التسلط والقهر والديكتاتورية التي تميز بها عالمنا العربي. فنسب الفساد بلغت درجة كبيرة جعلتنا نراجع المشهد العربي بأكمله بل والثقافة العربية المتناقضة التي يحملها الفرد العربي مواطنا ومسئولا على حد سواء. فلولا تلك الثقافة التي تعطي الحق لمسئول بأن يغرف من المال العام دون حسيب أو رقيب لما ارتفعت نسب الفساد إلى درجات خيالية أدت إلى تضخم ثروات البعض بشكل غير عقلاني.

ولولا الثقافة العربية التي جعلت من المواطن العربي يرضخ ويصم أذنه ويصمت ويطيع لما ارتفع مؤشر الفساد إلى تلك الدرجة المخيفة. أن تلك النسب تجعلنا نراجع قضية تعامل المسئول مع ثروات الشعوب على أساس أنها ثروات خاصة يكنزها سرا في مصارف أوروبا والولايات المتحدة بينما يرزح ثلاثة أرباع من شعبه تحت خط الفقر، نسب الفساد تجعلنا نفكر كيف يقف مسئول لكي يطلب مساعدة دولية لشعبه بينما أرصدته الشخصية تكاد تنوء من ثقل الأرقام التي تحملها، وكيف يطلب مسئول مساعدات غذائية لشعبه وهو يكاد ينوء من كثرة التخمة، وكيف يطلب مساعدات إنسانية وضميره ليس به ذرة من الإنسانية.

هل يكمن السبب في الشخصية العربية التي تعودت بل ٌعودت عبر العصور على الطاعة والصبر والامتثال لحكم القدر خيره وشره وتبجيل المسئول واحترامه وتقديسه أم أن القضية لا تخرج عن كونها استغلالا مقيتا من قبل الفاسد لمنصبه. بمعنى هل سهلت الشعوب العربية بثقافتها المبجلة لحكامها تغلغل هذا الفساد أم أن الأنظمة السياسية ولا أحد غيرها هي المسئول الأول والأخير عن حالة التردي والفساد الذي وصلت له السلطة والفرد معا؟ فالفاسد، خاصة عندما يكون مسئولا، لا يتوانى عن استغلال منصبه لاعتقاده الراسخ بأنها حق من حقوقه ولاعتقاده بأنه حتى في حال افتضاح أمره فإن الثقافة العربية التي جبلت على العيب الاجتماعي وتبجيل المسئول لن تجرمه أبدا؟ أم أن القضية برمتها لا تخرج عن كونها غيابا للحكم الرشيد القائم على المساءلة والشفافية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية.

في اعتقادنا أن أسباب تفشي الفساد في مجتمعاتنا تكمن في هذه الأمور مجتمعة. فالسبب الرئيس هو الثقافة العربية التي تعود الفرد على الطاعة والصبر والامتثال لحكم القدر خيره وشره حتى انعكست هذه الصفات سلبا على الشخصية العربية. فالأسر تربي أولادها على العيب الاجتماعي المبالغ فيه والطاعة العمياء حتى تخرجت أجيال لا تستطيع إلا أن تصمت أو تقول نعم. هذه الصورة النمطية للشخصية العربية كسرتها أخيرا الثورات العربية التي أعادت الاعتبار للشخصية العربية بل وأعادت تشكيل الثقافة والذهنية العربية تجاه السلطة والسلطويين.

الشخصية العربية السلبية كانت سببا رئيسا لتمادي بعض المسئولين في انتهاك حرمة المال العام بالإضافة بالطبع إلى الجشع والطمع الذي صور لذلك المسئول أن الدنيا ليست فانية ولا نهاية لها. فهذه الشخصية سمعت عن الخطأ وصمتت ليس قبولا بالأمر ولكن غض البصر عن الخطأ والعيب واحتراما للكبير والمسئول. في الوقت ذاته كان لغياب الحكم الرشيد دور مهم في تفشي الفساد. فالحكم القائم على اعتبارات ليس من بينها سيادة القانون ولا العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر كان سببا من أسباب شيوع الفساد الأخلاقي. ونتيجة لذلك غابت روح المسئولية العامة والشفافية ومحاسبة الذات والتي هي عمود الحكم الرشيد.

وتعد الإمارات من أوائل الدول العربية التي اهتمت بمكافحة الفساد كونه مؤشرا مهما على حس المسؤولية تجاه المال العام. ولا نزعم هنا بأننا قد أصبحنا نعيش في مجتمع مثالي. فلا زال هناك من يفكر في انتهاك حرمة المال العام، ولا زال هناك من يفكر في الارتزاق من وراء وظيفته، ولا زال هناك من يفكر في استغلال وظيفته للوصول إلى الثراء. وعلى الرغم من أن جهود الإمارات لمكافحة الفساد كانت غير مسبوقة وغير مألوفة في مجتمعنا إلا أنها ساهمت في وضع الأمور في نصابها وإشاعة ثقافة جديدة قائمة على احترام المال العام. فقد ساهمت تلك الجهود في بث نوع من الوعي الاجتماعي والمسؤولية تجاه المال العام. كما أشاعت نوعا من الوعي عن كيفية التعامل معه بالإضافة إلى أنها نبهت أصحاب النفوس الضعيفة بأن هناك مراقبة ومساءلة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل