المحتوى الرئيسى

الثورة المصرية وثقافة حقوق الإنسان

06/26 21:31

بقلم: أسامة جادو*

ارتبطت الثورات الشعبية قديمًا وحديثًا بقضية حقوق الإنسان، وكذلك كانت ثورة الشعب المصري وشعوب الأمة العربية فيما يُعرف بالربيع العربي.

 

لا يخفى على عاقل أن الله تعالى خلق الإنسان حرًّا ومنحه جملةً من الحقوق الأساسية التي تحفظ عليه عقله، وصحته وماله ودينه وعرضه ورأيه، وتحقق له العيش الرغيد، وجعل تلك الحقوق شرعًا يُتعبد به، هذه الحقوق الأساسية للإنسان ارتقت في ظلِّ شريعة الإسلام إلى مرتبة الفرائض الشرعية، بل جُعلت من مقاصد الشريعة.

 

وإذا ما حدث انتهاك لهذه الحقوق كانت غضبة شديدة تؤكد على هذه الحقوق "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"، كلمة ترددت في الآفاق، وسمعتها الدنيا منذ قرون طويلة، قالها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حين رُفعت إليه شكوى أحد المصريين ضد ابن والي مصر عمرو بن العاص.

 

إنّ العالم كله يقف مشدودًا ويطأطئ رأسه احترامًا وخجلاً، وهو يستمع إلى سيد الرسل محمد، صلى الله عليه وسلم، وهو يعلن بكل وضوح، ويؤكد بلا أدنى شك أن الناس سواسية، وكلهم يخضعون للقانون والشرعية، لا فرق بين فقير وغني، ولا وزير وخفير، وأن الجميع سواء أمام القانون، لقد استمع الخلق لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يعلن غضبه من فوق المنبر: "يا أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

 

بل سجل التاريخ البشري أن وثيقة المدينة المنورة، والتي نُطلق عليها بحق "دستور المدينة" وقد ضمنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جملة من الحقوق الأساسية للإنسان، أكدت الوثيقة أن الإنسان مكرم، وأن ماله وعرضه ودمه مصان، وأن حقوقه اللصيقة به كإنسان محترمة، وأن الدولة تسعى جاهدة لحماية هذه الحقوق، حقه في ممارسة شعائر دينه، حقه في الأمن الاجتماعي، حقه في التنقل بحرية، وحقه في السفر والعودة إلى المدينة، ومما جاء في الوثيقة "وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم- مواليهم وأنفسهم- إلا من ظلم وأثم" فهذا مفهوم الحرية الدينية بأوسع معانيه، دولة الإسلام تسع كل المواطنين، دون تعصب ولا مصادرة للآراء والمعتقدات.

 

وجاء في الوثيقة كذلك "من خرج من المدينة أمن، ومن قعد أمن إلا من ظلم وأثم" وهو ما يُطلق عليه اليوم حرية السفر والتنقل داخل الدولة، وحرية البقاء الآمن والقعود فيها.

 

- انتهاك حقوق الإنسان العامة كان الدافع الأساسي والمحرك الرئيسي للثورات ومنها ثورة الشعب المصري.

 

هذا أمر اتفق عليه أهل الرأي والعلم كافة، لم يشذ عنهم عاقل، فانتهاك حقوق المواطن المصري خلال عهد مبارك المخلوع كان الوقود الأساسي لتفجير الثورة، انتهاك حقه في التعبير عن رأيه، وحقه في العمل، وحقه في التعليم، وحقه في الصحة والعلاج، حقه في ممارسة شعائر دينه دون خوف أو ملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية، حقه في الترشح للمجالس النيابية ومباشرة حقوقه السياسية على أسس ديمقراطية تتفق مع المعايير الدولية من النزاهة والشفافية، ولقد شهد العام الأخير من حكم مبارك ذروة الانتهاكات الشنيعة لحقوق المصريين، حالات القتل والتعذيب على أيدي أجهزة الأمن المصرية، وتحول مراكز الشرطة إلى سلخانات ضجت جماهير الشعب بالشكوى منها، ثم كانت انتخابات مجلس الشعب، وقبلها مجلس الشورى كاشفة لكلِّ عورات ومساوئ نظام مبارك، وكان شعور المواطن بانسداد الأفق أمامه، فلا أمل في التغيير والإصلاح والانعتاق من هذا النظام القمعي، والتحرر من أشكال الانتهاك اليومي لحقوق المصري كافة.

 

كل هذا فجر براكين الغضب في نفوس المصريين، فاندفعوا يكسرون حاجز الخوف، ويُسقطون دولة الرعب، وينتزعون حقوقهم المسلوبة، فكانت ثورة هزت عروش الطغاة ليس في مصر وحدها، بل امتدت توابع الثورة المصرية لتصل إلى دول كثيرة، في ليبيا واليمن وسوريا والبحرين والأردن والمغرب، وأخيرًا العراق؛ لتؤكد أن قضية حقوق الإنسان العربي لا تنازل عنها، وأنه حان وقت التغيير، وهبت رياح الحرية.

 

من الطبيعي أن يكون احترام حقوق الإنسان أول وأكبر ثمرة تجنيها الشعوب الثائرة عقب نجاح الثورة.

 

نعم كما كان انتهاك حقوق الإنسان هو مفجر الثورات، كان احترام حقوق الإنسان هو أول أهداف الثورات وغايتها، وكانت نسائم الحرية والكرامة الإنسانية أولى ما تنسمته الشعوب الثائرة، وتظل حقوق الإنسان الأساسية مقاصد للثوار والإصلاحيين، وهم يؤسسون نظام الحياة الجديدة التي نبتت ورُويت بدماء الشهداء والجرحى، وصانتها الملايين من أبناء الوطن الثائر الحر، ويتطلع الجميع اليوم إلى نظام جديد يقدس حقوق الإنسان، وتشيع في أرجائه وجنباته ثقافة احترام حقوق الإنسان وكرامته.

 

ويتمثل ذلك في:

- وجود حاكم ونظام لا يحترم حقوق الإنسان فحسب، بل هو يتبنى المشروع برمته، ويعمل جاهدًا على تكريس نظام يقدس حقوق الإنسان.

 

- منظومة متكاملة من التشريعات واللوائح التي تقدس نظام حقوق الإنسان، وثقافة جديدة ترسخ مفاهيم، وقيم احترام حقوق الإنسان.

 

- شعب تغير وتحول إلى ممارسة صحيحة لحقوق الإنسان كان يطالب بها ودفع ثمنها والآن آل الأمر إليه، فليبدأ عهدًا جديدًا من الممارسة والسلوك الصحيح.

 

- وهناك لقطتان مهمتان مرتبطتان بحالة الثورة المصرية، وكلاهما مرحلي أحب لفت الأنظار إليهما للتأمل والتفكير:

 

الأولى: اللوحة البديعة التي شكلها الشعب المصري أثناء ثورته، وشيوع أخلاقيات وقيم رائعة تعبر بصدق عن ثقافة حقوق الإنسان، وشيوع الروح الجمعية، وما استتبع ذلك من قيم وأخلاقيات عظيمة أسسها الإسلام، وحضت عليها الشرائع ومنها:

 

التعاون، والتكافل، والتراحم سواء في ميادين التحرير أو المظاهرات أو اللجان الشعبية لحماية الشعب وممتلكاته العامة والخاصة.

 

وترجم ذلك الشعار الذي رفعه الشعب "كلنا أيد واحدة... كلنا مع بعض".

 

- الحفاظ على الجبهة الداخلية، ويكفي أنه لم يُرم مسجد أو كنيسة بطوبة أيام الثورة رغم عدم وجود الأمن.

 

- الحوار وقبول الآخر والتعايش معه رغم الاختلاف والتباين، فالحياة تسع الجميع ومصر للمصريين.

 

الإيجابية والمشاركة في صنع القرار، والوعي والإدراك، والاهتمام بقضايا الوطن.

 

إن الثورة ضاغطة، وضغطت على الشعب، فأخرجت أطيب ما فيه من قيم ومبادئ وأخلاق وسلوك، تنبئ عن مخزون مريح من المرتكزات والمرجعيات الراسخة التي تحافظ على بقاء الشعب نقيًّا، وتضمن حيويته وتحفظ هويته وعزته وكرامته.

 

- هذه اللقطة تعني قابلية الشعب المصري لتحمل ثقافة ونظام حقوق الإنسان، وأنه شعب رشيد لم يعد يقبل الوصاية، فقط أعطوه الفرصة ليثبت جدارته أن يكون في مصاف الدول التي تعيش وفقًا لنظام حقوق الإنسان.

 

- هذه اللقطة تؤكد أننا جميعًا مدينون بالاعتذار لهذا الشعب الأصيل الكريم، فقد أساء إليه الكثيرون، وظنوا به ظن السوء، وفقدوا الأمل فيه، فانتفض وقطع الشك باليقين، وعبر الشعب عن نفسه بنفسه، وأظهر عبقريته وقت الشدة، وأكد نقاء معدنه زمن المحنة.

 

- هذه اللقطة المركزة عينةٌ لما يمكن أن تكون عليه حياة الشعب المصري فيما هو آتٍ، لقطة طمأنت الجميع في الداخل والخارج، وهذا ما أدهش العالم كله، وانتزع الاحترام والتقدير غير المسبوق.

 

- هذه اللقطة نموذج مشروع نجاح تحرر الشعب المصري الذي يحتاج فترة من الزمن، وحزمة من الإجراءات، وبناء المؤسسات، ومنظومة متكاملة من البرامج والخطط التنموية البشرية، التي تُعنى بالبشر والشجر والحجر ليستجيب القدر، وتتحول هذه اللقطة إلى نظام حياة مستقر راسخ يزداد عظمةً وشموخًا على مرِّ الأجيال المقبلة.

 

نحن نؤسس مصر الحديثة على هذه اللقطة البديعة.

 

أما اللقطة الثانية فهي لقطة رمادية من بقايا العهد السابق ما زالت عالقة في فكر وعقل الشعب المصري، تنبئ عن مساحات عديدة لم تهب عليها رياح الثورة، ولم تنلها يد التغيير، أطلق عليها البعض "الثورة المضادة"، وقيل عنها "فلول النظام السابق وبقايا العهد البائد".

 

وأنا لست منزعجًا من هذه اللقطة الرمادية التي تمثلت في:

- موجات من الانفلات الأمني تسير وفق برنامج واضح المعالم لمن يدقق النظر ويعمق التفكير.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل