المحتوى الرئيسى

انزاحت الصخرة فخرجت الثعابين

06/26 08:15

استيقظ الفلاح العجوز محتقن الوجه·· متوتر الأعصاب·· وجلس مع بزوغ الشمس قبالة كوخه الذى شيّده بنفسه فى بطن الجبل، اختار المكان بعد دراسة دقيقة تعلمها من أيام الترحال ورعى الغنم، جعل بيته فى أعلى ربوة لليابسة، ملتصقاً ومستنداً بالجبل الحاد·· وقريباً من نبع ماء·· أيقن قبل البدء فى رص الحجارة أن الرياح والعواصف الموسمية لا يمكن أن تهزم بنيانه المشيّد على مهل·· كانت نظرات الرجل حادة ومرتبكة، كلما تطلع إلى تلك الصخرة العملاقة الجاثمة أمام بيته·

تذكر أيام شبابه حين كانت تلك الصخرة هى الشىء الوحيد الذى يعوق حركته فى الدخول والخروج، إذ لا ينفذ منها إلا موارباً، فقرر توسعة المدخل بالنحت فى قلبها·

كل يوم يمسك بمعول ويظل يضرب فى الصخرة التى بدت عنيفة وصلبة أمام ضرباته·· بل إنه كان يشعر فى كثير من الوقت بأنه لا يفعل سوى إجهاد نفسه، لكنه لم يجعل اليأس يحول بينه وبين حلمه فى أن يصنع لنفسه طريقاً آمناً يعبر منه إلى حيث حقله وأغنامه·

ظل كل يوم يقوم بالشىء نفسه دون ملل، بل حوّل هذه المهمة الشاقة إلى هواية يمارسها بفرح كل يوم، ويزهو كلما أسقط قشرة رقيقة من الصخرة، حتى إن زوجته اندمجت فى اللعبة، وراحت تسلى نفسها كلما تركها زوجها وذهب إلى عمله·· تمسك بالمعول وتضرب بكل قوتها·· لم تفعل أى شىء، لكنها لم تتوقف عن الضرب، فتلك أصبحت تسليتها الوحيدة، ولما أنجبت علمت أولادها حرفة الضرب·

وكلما مر الوقت يرى الرجل انفراجة صغيرة فى طريقه، فأصبح من السهل عليه أن يدخل باب داره فارداً صدره·· لكنه أيضاً كان لابد أن ينحنى ويتمايل، يميناً ويساراً، حين يحمل حصاده على رأسه، وأحيانا كان يلقى بحمله الثقيل على الأرض وينظر إلى أعلى يسب ويلعن غباء تلك الصخرة التى لا تشعر بعذابه وألمه·· ويصرخ بأعلى صوت:

أوشكتُ على الموت وأنتِ كما أنتِ، باقية هنا، بقسوتك وكبريائك وعنادك، حتى الزمن الطويل لم يرقق قلبك، ولم تقدر الرياح والعواصف الرعدية على زحزحتك، لم تؤثر فيك حرقة الشمس ولا زخات المطر·· ولا الزلازل التى هدمت الوادى·· وحدك تصارعين وتنتظرين·

فكر الرجل فى أن يحضر أولاده وزوجته ليحفروا معه، غير أنه خشى أن يدفنوا أحياء تحتها· بقيت الصخرة مصدر إزعاج وقلق يومى·· وحين شعر الرجل بإحباط وعجز قرر الاستسلام لقدره المحتوم، لكنه استيقظ يوماً على حركة غير عادية، فوجد عربات مجنزرة يقفز منها جنود وكلاب حراسة وبشر بوجوه محتقنة رُبطوا بسلاسل متصلة·

ارتعب العجوز لهول المشهد واحتمى بالصخرة ولم يقدر على الفكاك من موقعه حتى وهو يرى معاول الهدم تنهال على الصخرة التى بدأت فى الانكماش·· وقبل أن يحل الظلام كانت قد تلاشت·· فرح الرجل·· لكنه أدرك أن ساعته قربت·

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل