المحتوى الرئيسى

مقام البطولة لمن؟

06/26 08:15

أعلم أننى سأصدم شباباً بريئاً بهذا المقال، شباباً يفتقد المثل الأعلى ويتوق إلى البطولة، فيصنع أبطالاً فى خياله، ويُصدم كلما داهمته الحقيقة. يؤسفنى أن أقول إننى لا أعتقد فى وجود (راية للحق) فى هذا الزمان، وإن كانت موجودة فإننى لم أشاهدها، ويؤسفنى أن الصراع الدائر بين التيارات المختلفة ليس صراعاً بين الحق والباطل، والنور والظلام، وأن معظم المتصارعين - مع استثناءات طفيفة - سيفعلون الشىء نفسه لو تبادلوا الأماكن، وأننا يجب أن نفرق بوضوح بين «مقام البطولة» و«إجادة المهنة». فربما يعجبك كاتب أو نجم إعلامى أو داعية دينى بطلاوة حديثه، وتلك مهنية تستحق الإشادة، أما مقام البطولة فشىء آخر شديد الاختلاف.

وإذا أردتم صراحة أكثر، فإننى أشعر بغصة فى قلبى حينما أقرأ عن الدخول الخيالية التى يحققها النخبة من دعاة الفضائيات ونجوم الـ«توك شو»، فى الوقت الذى يسحق فيه الغلاء الفاحش والدخول المتدنية الغالبية العظمى من الشعب. تدهشنى هذه الأجور المليونية فى بلد يأكل الكثيرون فيه من القمامة، ويسكنون فى عشوائيات بدورة مياه مشتركة يدخلونها بعد الوقوف فى طوابير، أما الخريج الجامعى الذى يحالفه الحظ ويفلت من طابور البطالة، فراتبه فى معظم الأحيان لا يزيد على ثلاثمائة جنيه.

أرجو أن يكون واضحاً أننى لا أتحدث مطلقاً عن الحلال والحرام، لكنى أتحدث عن الموقف الأخلاقى الدقيق لطائفتين ترتزقان من أسمى ما فى الوجود: الدين، وبؤس البؤساء.

لا أعرف هل تستشعرون غرابة الأمر كما أستشعره: معقول أن يكون الدين مطيّتى إلى الدنيا؟! معقول أن أصف فقر الفقراء فيتحول مدادى إلى قصر أسكنه؟!

زمان كانت المعارضة أو الدعوة إلى الله أقرب طريقين للبلاء. واليوم أصبحا أقرب طريقين لحسن السمعة والثراء! قديما، كانوا يُسجنون ويُشرّدون، أو يعيشون فى ضيق وكبد، وكانت هذه المكابدة أمراً طبيعياً فى دين يقول قرآنه: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى»، ويعتبر «أبوبكر» نفسه كالولىّ على مال اليتيم: إن كان غنياً تعفف، وإن كان فقيراً أكل بالمعروف.

وكان الوضع نفسه مع المعارضين السياسيين: إما قطع الرقاب، وإما القتل بسيخ محمىّ، كما حدث للمعارض المغربى المهدى بن بركة، وإما السجن مدى الحياة.

وفجأة تغيّر الحال بشكل دراماتيكى: أصبحنا نسمع عن دعاة فضائيات ونجوم «توك شو» يتقاضون الملايين! وسعة الرزق لا تدين أحداً بالطبع، ولكن يلتبس الموقف الأخلاقى حين يكون الرزق من أنبل أمرين فى العالم: الدين، وبؤس البؤساء. فهذا هو مكمن الصعوبة ووجه الالتباس.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل