المحتوى الرئيسى

إصلاح وانعزال دولي!

06/26 03:10

عبد الله إسكندر

يمكن للذاكرة التاريخية أن تُصاب بوهن أو بانتقائية. فيصبح لإحداث معنى مغاير لإطارها، أو يمكن لهذا المعنى ان يُحرف عن إطاره. لتصبح القضية موضع نقاش حمّال أوجه. واستغل كثر هذه الذاكرة واحتمالات تأويلها لتحويل هزيمة الى انتصار او قضية خاسرة الى أخرى رابحة.

لكن الذاكرة الجغرافية لا تقبل أي نوع من التأويل. فهي حقائق على الارض، لا يمكن لأحد ان يدّعي تجاهلها أو اعتبار انها غير موجودة. وعندما يسعى أحد ما الى التلاعب بهذه الذاكرة وينسى حقائق الجغرافيا، أو يتناساها، يكون في الواقع ينسى حقيقة وجوده. لتصبح كل الحقائق الأخرى التي يقدمها على انها مرتبطة بهذا الوجود قابلة للشك. وليتحول ما يعتبر انه دفاع الى ثغرة اضافية وحجة اضافية مضادتين.

وهذا ما حصل لوزير الخارجية السوري وليد المعلم، عندما أعلن ان بلاده ستنسى ان اوروبا موجودة على الخريطة، وستتجه شرقاً وجنوباً، ربما الى جوار ايران أو كوريا الشمالية وربما فنزويلا أو كوبا.

فهو أراد ان يعزل سورية عن الغرب وقيمه وتأثيراته. فجاءت أنقرة لتذكّره ان سورية جارة لتركيا وتتشاطر معها حدوداً طويلة وملفات كثيرة، وجاءت واشنطن لتذكّره ان سورية تقع جغرافياً على حدود حلف شمال الاطلسي، وان ثمة أمناً لدول الحلف يتصل بالأمن الداخلي السوري.

فالعزلة عن التاريخ لتبرير نهج سياسي قد تكون حذاقة ديبلوماسية قابلة للتصديق، جهلاً او خوفاً. لكن العزلة الجغرافية لتبرير هذا النهج لم تعد شأناً داخلياً، بعدما بات هذا الداخل ومشكلاته تنعكس أزمات في ما وراء الحدود.

قد لا يكون الغرب نزيهاً في مطالب الحرية والديموقراطية للشعب السوري. وبالتأكيد، يعمل الغرب من أجل اجتذاب الحكم السوري الى جانبه. وهذا ما فعلته فرنسا، ومعها دول الاتحاد الاوروبي، ومن ثم الولايات المتحدة، قبل انفجار الاحتجاجات الشعبية. وكانت الديبلوماسية السورية حينذاك تثني على معنى هذه العلاقة المستجدة.

لكن كون الغرب صاحب مصلحة في سورية لا يعني ان الشعب السوري في احسن الاحوال. لا بل يُفهم من طلب العزلة الجغرافية ان على هذا الشعب ان يتحمل معاناته المستمرة منذ عقود، وان يخضع للقوة العسكرية المجردة، في عصر انتفت فيه الاسباب الموجبة لهذا الخضوع.

ان الدعوة الى العزلة الدولية، وهي ممارسة شائعة من ايران الى كوريا الشمالية وبورما، تعكس نظرة الى حق المواطن في العيش والسياسة، وادعاء الحق في معرفة ما يصلح له وما لا يصلح. لكنها ليست أداة للسيادة الوطنية التي تتخطى بكثير مصالح الحكم.

وعندما تعتبر هذه العزلة الدولية جزءاً من معالجة الأزمة السورية، يمكن توقع النتائج السلبية لهذه المعالجة. خصوصاً ان الجانب السياسي منها يترافق مع تصعيد الحل الأمني الذي ينفي بذاته القدرة على أي إصلاح.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل