المحتوى الرئيسى

لوجه الله ولوجه الوطن

06/26 08:15

تركت بلادى قبل نحو عشرين عاماً اقتراباً من العلم والعمل وابتعاداً عن الزيف والنفاق. تركتها، حين تركتها، وقد كنت فى موقع يحلم به جيلى وقدمت استقالتى – ولم أكن مضطراً – فقالوا: مجنون.

وعدت إلى بلادى قبل نحو ثلاث سنوات وقد أكرمنى الله بالعلم والعمل وزادهما مالاً وشهرة لا يعنيان لى الكثير، إلا من زاوية واحدة. عدت إليها، حين عدت، ولم أكن مضطراً وقد صرت فى موقع يسمح لى برفاهية الاختيار، فقالوا مرة أخرى: مجنون.

تركت بلادى، وحين تركتها كانت فى جعبتى أحلام كثيرة لنفسى ومجموعة من الخواطر لم أكن أحسبها شعراً، كان أستاذنا الفريد فى نوعه وفى علمه وفى أخلاقه، فاروق شوشة، قد ألح فى طلبها قبل أن يعيدها لى فى عام 1987 ومعها كلمات ألقت على عنقى من سيفها أكثر مما ألقت على روحى من إطرائها: «فى شعر يسرى فوده مذاق خاص يلفح وجوهنا أول ما نصادفه، مذاق تختلط فيه روائح الريف المصرى بقدرته على بث السخرية والمفارقة.. يرفض أن يكون عبداً لجاه أو لمال أو لجمال أو لسلطة».

وعدت إلى بلادى، وحين عدت إليها كانت فى جعبتى أحلام كثيرة لبلادى، التى منحتنى مسقط الرأس فى إحدى قراها، وعلمتنى فى كتاتيبها الصغيرة ومدارسها الفقيرة وآنست وحدتى مع أكواز الذرة المشوية تحت ضوء القمر. كغيرى كنت أشعر بأن مخاضاً يقبض على أنفاسها، وكغيرى فاتنى أن أحلم بأن ينتهى المخاض إلى وليد يقترب فى وسامته من ذلك الذى أطل علينا يوم 25 يناير.

عدت إلى بلادى، وحين عدت كان الله قد أكرمنى بالعودة فى اللحظة المناسبة، وكانت اللحظة المناسبة قد سخرتنى لرد الجميل. وكأننى من السائرين نياماً، القاصدين نقطة لا يحيد عنها البصر، اخترت من وسائل الإعلام المصرية والعربية كلها أصغرها ومن العقود أبسطها. وبينما كان المخاض يتدافع فى محيطى الأكبر كانت الدراما تتدافع أيضاً فى محيطى الأصغر، حتى فاجأنى وزير إعلام مبارك، السيد أنس الفقى، بعد محاولات متكررة: «إنت مطلوب يا أستاذ. نجيب هيقفل القناة غصب عنه وإحنا محتاجينك معانا».

فى أحد أدراج ماسبيرو تقبع نسخة من عقد وقعته فى لحظة كنت أظن فيها أننى يمكن أن أساهم فى إصلاح إعلامنا من الداخل. لكننى فى صباح اليوم التالى تراجعت عندما أدركت أن إرضاء الضمير الوطنى والمهنى فى مثل تلك الظروف يكاد يكون من المستحيل. كان هذا العقد من أكثر العقود ثراءً وتمكيناً وتفصيلاً، بل إنه احتوى شرطاً جزائياً لصالحى بلغ ثلاثة ملايين جنيه. رفضت هذا كله وغيره ورضيت بفتات الفتات مع أصغر قناة فى مصر وربما فى العالم كله. يومها بكى بعض زملائى فى العمل من فرط التأثر ولا أستطيع أن أقدر هذا بمال.

لماذا فعلت ذلك؟ لأننى ببساطة كنت أرنو إلى لحظة لم يطل انتظارى لها، ففى يوم 25 يناير وصلت إلى نجيب ساويرس رسالة منى بعد اجتماع تحريرى حاسم: «إما أن ننقل للعالم ما يحدث بكل أمانة ووطنية ومهنية أو أن هذه نهاية الطريق بيننا، وعلينا، إذا فعلنا، أن نتوقع احتمال أن تغلق القناة بمكالمة تليفونية». كان رده: «إعملوا اللى إنتو مقتنعين به ويقفلوها يقفلوها». يحزننى الآن أن يلتمس منى البعض ممن لا أشك فى صدق نواياهم أن أترك «أون. تى. فى» لمجرد أن صاحبها مسيحى. يحزننى لأننى مسلم يدرك جوهر الإسلام وعبقريته، ولأننى مصرى أتيح له من خلال هذه القناة أن يقول قولة حق لوجه الله ولوجه الوطن، بينما لم يتح للآخرين ذلك من خلال مواقعهم، حتى وإن أراد كثير منهم. مصر مليئة بالشرفاء.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل