المحتوى الرئيسى

ربما بين التمركز حول الذات واضطراب التوحد الفكري

06/26 00:37

يحكي أن احد ملوك الماضي كان محبا للعلم‏,‏ نهما للمعرفة والثقافة‏,‏ وانه ذات يوم‏,‏ تحير عقله وتشتت فؤاده‏,‏ طلب من اتباعه أن يجلبوا إلي قصره كل ما يستطيعون جمعه من كتب‏,‏ فقاموا بذلك‏,‏ وشغلت أحجام تلك الكتب نحو نصف مساحة قصره واستغرق ذلك الملك الحكيم في القراءة.

والاطلاع, لكنه بعد قراءة مئات الكتب وتمعن فيها, عبر سنوات ازداد حيرة وعجبا لانه لم يعد قادرا علي الجمع بين نهم القراءة وشئون المملكة فاستدعي مستشاريه وطلب منهم ان يختزلوا جوهر الحكمة التي في بطون تلك الكتب في مجلد واحد فقط, وأبدي هؤلاء المستشارون بعض التذمر المكتوم قالوا له ـ مواربة ـ ان ذلك أمر مستحيل لكنه أمرهم بالقيام بذلك وان يشرعوا في ذلك فورا وهكذا بدأوا عملهم ومعهم جيش من القراء المعاونين يقرأون ويلخصون أهم الأفكار التي في تلك الكتب, وبعد عقد من الزمن عادوا اليه واحضروا معهم مجلدا واحدا في ستمائة صفحة, قالوا إنه يقطر الحكمة التي في تلك الكتب كلها, وقرأ الملك ذلك المجلد في تمهل وإمعان, ثم طلب مستشاريه بعد ذلك وأمرهم باختزال صفحات هذا الكتاب الواحد كلها واختصارها في صفحة واحدة, واحتج المستشارون متذمرين مرة أخري, لكنهم انصاعوا في النهاية لرغبة الملك, وعادوا إلي الملك بعد سنة, واحضروا معهم صفحة واحدة, قرأها الملك, ثم طلب منهم ان يختزلوها في كلمة واحدة تقطر جوهر الحكمة التي وجدوها في تلال تلك الكتب كلها, وبعد أسبوع عاد المستشارون ومعهم قطعة صغيرة من الورق مكتوب عليها كلمة واحدة هي: ربما هنا نظر الملك إلي مستشاريه وصاح متعجبا: أمن أجل هذه الكلمة فقط أضعنا تلك السنوات كلها؟!! فأجابه أكبر هؤلاء المستشارين سنا وأكثرهم حكمة: نعم يا مولاي! لانه وبسبب عدم الفهم العميق لجوهر هذه الكلمة ثارت صراعات ونشأت خلافات ونشبت حروب وضاعت مواهب وأمم نعم يا مولاي, في قلب هذه الكلمة يكمن التسامح والتفهم والتقبل للآخر, وللنقص البشري والصفح الجميل.

ما دلالة هذه الحكاية وما معناها مرة أخري؟ دلالتها ان الوجود يتجلي علي انحاء شتي, كما كان ارسطو يقول دائما ومعنا ان احدا لايمتلك الحكمة المقطرة الخالصة الجامعة المانعة, معناها أن نخرج من هذه الحالة التي تتلبس الكثيرين منا الآن, والتي تتمثل في ذلك التمركز الشديد حول الذاتEgocentism وتلك الرغبة الدائمة في اقصاء الآخر, معناها ان نصبح أكثر تسامحا وأكثر ديمقراطية وأكثر تقبلا للآخر المختلف عنا في اللون أو الدين أو النوع أو الفكر معناها أن التمركز حول الذات علامة من علامات التأخر وسمة من سمات عدم النضج وذلك لان اصحاب هذا التفكير المتمركز حول ذاتهم أو جماعاتهم يرون العالم ـ والآخرين ـ من خلال رؤيتهم الخاصة له فقط, إنهم يفتقرون إلي التفكير الاحتمالي, النسبي الترجيحي أي التفكير من خلال ربما ومن ثم يكون المتمركز حول ذاته متمركزا حول عالمه, وعالمه موجود في الماضي وماضيه معلق مطلق منجز مكتمل, ولاتكون تجليات الحاضر أو المستقبل بالنسبة اليه سوي نسخ متكررة من ذلك الماضي ولان عالمه مغلق فهو يفتقر إلي حب الاستطلاع أو الفضول المعرفي, يبتعد عن التفكير العلمي ويميل إلي التفكير الخرافي, لايحلل القضايا المطروحة من خلال وجهات نظر متعددة, بل من خلال رؤية واحدة جامدة لايحب طرح الاسئلة, بل يجب تقديم الاجابات لايقول أبدا ربما بل يقول دائما: ينبغي, ويجب, ولابد, ولاشك.. الآخرون بالنسبة اليه أدوات وذرائع, وليسوا أهدافا أو غايات بحكم إنسانيتهم لايفكر من خلال البدائل, بل يطرح دائما بديلا واحدا جامدا, القضايا التي يطرحها غير قابلة للتكذيب لان مصدرها دائما صادق, لايقبل التكذيب فهي حقائق من وجهة نظره خالدة. تنتفخ أوداجه وتنفر عروقه ـ وهو يحدثك ـ متجهما, أو متهكما, وكأنه ينطق بالحكمة والموعظة الحسنة لايخاطب عقول الناس بقدر ما يخاطب عواطفهم وغرائزهم مغرور ويتظاهر بالتواضع. جاهل ويتظاهر بالعلم. يطلق علي الآخرين الألقاب والصفات المحقرة لهم, المقللة من شأنهم علي الرغم من نهي الدين الحنيف عن التنابز بالصفات والألقاب. العالم بالنسبة اليه ثنائي الطابع, أبيض أو أسود, ومن ليس معه فهو ضده. يفكر من خلال الجاهز والمؤكد والمتاح في بطون الكتب, وينزعج من كل ما هو ناقص أو غير كامل أو تخميني.. خطآته أكثر من إصاباته, ليس من اصحاب التفكير الاستقصائي, بل من أصحاب التفكير الاقصائي تفكيره دائما تقاربي يطلب الاجماع عليه والموافقة وليس تفكيرا تباعديا يرحب بالتنوع والتغير والتجدد والأفكار التي تتجلي علي انحاء شتي. مقلد أكثر منه مجددا أو مبتكرا يتلاعب بالكلمات وملامح الوجه ونظرات العينين ونبرات الصوت وحركات اليدين وكلامه أقرب إلي العويل وعباراته من جنس النواح يستخدم ثقافة الميديا والصورة لكن من أجل تحقيق توزيع أكبر لأفكاره مع انه في باطنه يكره الصور ويحرمها.

بعد أن درس عالم النفس السويسري الشهير جان بياجيه(6981 ـ0891) سلوك الأطفال وتطورهم المعرفي عبر سنوات عمرهم وحتي وصولهم إلي مرحلة الرشد وجد أن السمة الغالبة علي تفكيرهم خلال مرحلة ما قبل المدرسة هي هذا التمركز حول الذات, فالطفل يري العالم من وجهة نظره هو فقط, بل انه يعتقد أيضا أن الآخرين يشاركونه الوجهة نفسها من النظر, ولايتحرر الطفل تدريجيا من هذا التمركز حول الذات إلا بعد أن يزداد تفاعله مع الآخرين, وبعد أن يندرج كذلك في نظام تعليمي تؤكد تعليمه مهارات التفكير الناقد والابداعي, وكذلك القدرة علي حل المشكلات, واتخاذ القرارات وثقافة التسامح والمواطنة وفي دراساته المبكرة أيضا حول ارتقاء التفكير لدي الأطفال وجد عالم النفس الروسي فيجوتسكي(6981 ـ4391) ان الطفل يتطور تفكيره عندما يحدث لديه نوع من الحوار الداخلي بينه وبين ذاته ثم يكتمل هذا التطور من خلال زيادة حواره مع الآخرين وتفاعله معهم مما يؤدي إلي نضج عمليات التفكير العليا كالذكاء والابداع والخيال وغيرها كذلك وجد الناقد الأدبي الروسي أيضا ميخائيل باختين(5981 ـ5791) ان هذا العقل الحواري يمثل جوهر الأدب العظيم ذلك الذي يجسد تعدد الأصوات وتنوع وجهات النظر. وقل الأمر نفسه عن الموسيقي البوليفونية العظيمة التي تجسد تكامل الأصوات والآلات والنغمات ولا تؤدي في الغالب إلا من خلال الأوركسترا وهناك أمثلة كثيرة علي أهمية هذا المبدأ الحواري في الحياة والفن فنون المسرح والأدب عامة والثقافة عامة.

لقد وجد العلماء الذين درسوا مرض التوحدAutism لدي الأطفال أن مرضاه يعانون من اضطراب ثلاثي الأبعاد يتمثل في:

1ـ شحوب في التفاعل الاجتماعي مع نمطية في الحركة والانفعال.

2ـ ثم عزوف عن التواصل اللغوي.

3ـ تجمد في الخيال وقصوره.

الا نجد هذه الاعراض متمثلة في طرائق تفكير بعض الافراد والجماعات لدينا الآن؟ فهل نحاول الا نضع مستقبل وطننا في يد أية فئة, أيا ما كانت من الصغار أو الكبار, من اليمين أو اليسار؟ فئة لاتزال قابعة في براثن هذا التوحد الفكري والثقافي والاجتماعي, وذلك الولع المرضي بالتمركز حول الذات, وكذلك ذلك الجنوح المتطرف نحو الإقصاء للآخر, ربما!!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل