المحتوى الرئيسى

نماذج من الإيجابية في القرآن الكريم

06/25 23:33

بقلم: د. حمدي فتوح والي

الإيجابية أو الذاتية كلمات فرضت نفسها على حياتنا الثقافية؛ نتيجة احتياج الساحة الدعوية إليها؛ ولأنها كلمات جديدة على حياة الناس في هذه الأيام؛ فربما احتاجت إلى تأصيل شرعي ولغوي؛ حتى لا نُفاجأ بأحد المتحذلقين يقف أمامك منتصبًا يسألك عن الأصل اللغوي لهذه الكلمة، ويفاجئك- جهلاً- بأنها لا وجود لها في معاجمنا اللغوية؛ فإنني سأسارع إلى التأصيل اللغوي لكلمة الإيجابية- أما الذاتية فهي نسبة إلى الذات- وأظنها لا تحتاج إلى تذليل أو تأصيل.

 

الإيجابية مصدر صناعي جيء به للدلالة على سرعة التفاعل مع الحدث وحضور البديهة عند اشتجار الأمور وتشابكها، وهي مأخوذة من مادة الفعل "وجب" وفعلها أجاب: يجيب- إجابة، بمعنى لبى- وأطاع في سرعة وبلا تردد، ومصدر الفعل أجاب: إجابة ومجاوبة، يقول صاحب الألفية في النحو: "لفاعل الفعالُ والمفاعلة" ومن مادة الفعل "وجب" جاء اسم الله تعالى (المجيب) ومن ذلك قوله تعالى: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ) (الأحقاف: من الآية 31)، وقوله تعالى: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّه) (الشورى: من الآية 47)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال: من الآية 24).

 

ولأن الفعل يقصد به التفاعل مع المواقف، وإبداء الرأي فيها والمشاركة المؤثرة في تحديد مصيرها، انطلاقًا من إحساس ذاتي واقتناع داخلي؛ فإن البعض استحسن تسميتها ¬"بالذاتية" لتكون أقرب إلى الانفعال الذاتي دون انتظار لتوجيه خارجي.

 

والإيجابية بهذا المعنى تمثل المطلب الدعوي والأهم، الذي تحتاج إليه المرحلة في هذه الأيام.

 

ولو نظرنا في مقومات النجاح التي سبقت كل عمل إصلاحي ناضج أو كل حركة تغييرية ناجحة، لرأينا الإيجابية أو الذاتية كانت هي السمة الأساسية الأشد وضوحًا، والأكثر قوةً وتأثيرًا في حياة القائمين على هذه الحركات في كل زمان ومكان، وكتاب الله سبحانه وتعالى بما حوى من أوامر ونواه ودعوة ملحة إلى التغيير والإصلاح، هو أوضح مثال لذلك.

 

وهو أيضًا دليلنا الشرعي على وجوب الإيجابية وضرورتها في حياة المسلمين اليوم، فمن يقرأ خطاب الله تعالى لأنبيائه يجد الإيجابية هي لحمة هذا الخطاب وسداه، ففي كتاب الله تعالى ثناء على الأنبياء وذريتهم؛ لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، ففي سورة الأنبياء، ذكر القرآن قصة إبراهيم مع قومه، وقصة داود وسليمان، وقصة لوط مع قومه، وبعد أن ذكر إسحاق ويعقوب وقصة نوح عليه السلام، عاد ليثني على أيوب وإسماعيل وإدريس وذا الكفل، ويونس وزكريا ويحيى، ثم عقب على هؤلاء جميعًا بالثناء عليهم بأنهم (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء: من الآية 90)، وجعل سبحانه وتعالى من صفات المؤمنين الصادقين المسارعة إلى الخيرات والسبق إليها بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) (المؤمنون).

 

والمواقف الدالة على الإيجابية والذاتية واستشعار الهمّ بهذا الدين في كتاب الله أكثر من أن تحصى؛
فهذا رجل يعيش في مجتمع كافر لا يعين على الخير، ولا يدعو إليه، وبرغم ذلك فإنه ضرب المثل في الإيجابية والمسارعة إلى الحق وفعل الخير، فعندما يرى تواطؤ الناس على الشر، وإجماعهم على إيقاع الأذى بنبي الله موسى، يقوم من بينهم ليوهن عزمهم ويثبط همتهم، ويكثر لهم النصح، ويحضهم على الإخلاص. ولا يترك سبيلاً من سبل الحجاج العقلي والإقناع الوجداني إلا يسلكها معهم آملاً أن يصل بهم إلى كف الأذى عن نبي الله موسى؛ فهو يبدأ معهم بإحياء ومضة الخير في فطرتهم: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) (غافر: من الآية 28) ثم يسهل عليهم أمر البداية ويحببها إليهم، ويطمئن نفوسهم بأنهم لن يصيبهم من تبعة إيمانهم بما جاء به شر أو أذى، وإنما الشر لو وجد فسيحيق بصاحبه (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ) (غافر: من الآية 28) ثم ينقلب مخوفًا ومحذرًا في صورة الناصح الأمين، وإنه لكذلك، فيقول: (وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) (غافر: من الآية 28) وهي طريقة في الحجاج لم تترك سبيلاً للنفس كي تهرب أو تخادع.

 

ثم يعرض بإسرافهم على أنفسهم وكذبهم على ربهم مهددًا لهم بذلك فيقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر: من الآية 28) وفي ذاتية عالية وثقة بالنفس زائدة ورغبة في الخير ملحة صادقة، يتابع الرجل رسالته فيذكرهم أن النعيم لا يدوم، وأن الملك والجاه والسلطان لا يثبت ولا ينفع أمام غضبة الله وسلطانه".

 

(يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا) (غافر: من الآية 29) ولاحظ معي استعمال ضمير المتكلم، وإدخال نفسه معهم في مصير واحد، زيادة في التلطف، والتحسس لمداخل القلوب واستمالتها (فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا) (غافر: من الآية 29).

 

وبرغم إصرار فرعون- وهو صاحب السلطان والجبروت- على الجمود والكنود وإضمار العداوة، والتمادي في خداع الناس، وركوب موجة التأله الكاذب بقوله: (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر: من الآية 29)، برغم هذا الموقف الذي استغل فيه سلبية الناس وانهزامهم وانعدام وزنهم وثقتهم في أنفسهم، لم ينهزم الرجل المؤمن، ولم يستبعد أن يوقع الله التغيير على يديه برغم عدم وضوح أية إشارة أو علامة على قرب التغيير أو هزيمة الباطل المتبجح في هذا الموقف، لكنه يصر على بذل آخر جهد يستطيعه في هذا المضمار، قائلاً: (يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) (غافر).

 

وبعد أن يصب على أسماعهم تلك الطرقات العنيفات من تذكيرهم بمصارع السابقين من الهالكين، ممن سبقوهم إلى الجدال والعناد، يعود إلى إظهار عاطفة الحب لهم والخوف عليهم، والإشفاق من سوء المصير بين يدي جبار السماوات والأرض في يوم لا ينفعهم فيه طغيان فرعون ولا حاشية ولا سلطانه.

 

وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ) (غافر: 32، 33).

 

وكلمة عاصم جاءت نكرة لينفي من حسهم أي أمل في أية قوة تعصمهم من غضب جبار السماوات والأرض، وهي إشارة ذكية إلى فرعون الذي يقتدون به، ويلوذون بحماه. ويضيعون دينهم ودنياهم بسببه رغبة فيه أو رهبة منه، وهو في الحالين لا يملك من الأمر شيئًا (وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (غافر: من الآية 30).

 

ثم لا يتركهم إلا بعد أن يقيم الحجة عليهم ويذكرهم بأقرب النماذج إليهم وألصق الأحوال بهم، وهو حقبة المصريين مع نبي الله يوسف، وكيف وقفوا منه من قبل موقفًا غبيًّا كالذي يفعلونه الآن مع موسى (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34)) (غافر).

 

ومن ينظر في قصة هذا الرجل، يلاحظ أنه رغم عظم الدور الذي أداه، وروعة المواقف التي وقفها، وبرغم ثبات قلبه، وقوة حجته ورباطة جأشه، فإن السياق القرآني لم يَزد على وصفه بأنه مؤمن من آل فرعون، فهو ليس نبيًّا ولا رسولاً، وليس مدعومًا بقوة سياسية ولا بشرعية حزبية، وإنما كل الذي حكاه السياق هو أنه رجل مؤمن عميق الإيمان بربه مهموم بدعوته، حريص على قومه وعشيرته، مدرك لطبيعة مهمته، تتضح في حسه ومشاعره حقيقة الولاء لمن يحملون هم الدين، ويجاهدون لإصلاح الناس وإسعادهم، كما تتضح في مشاعر حقيقة البراء من الكافرين والخداعين والمتاجرين بآلام الناس وجبنهم، وهوانهم من الطغاة والظالمين، وتقديم الرجل للناس خاليًّا من كل سلطان إلا سلطان ربه والاستناد إليه، أراه رسالة إلى كل الرجال المخلصين العقلاء من أبناء أمتنا اليوم؛ ليقوموا في أمتهم بمثل هذا الدور العظيم، وساعتها سيكون الجهد أوفر، وسيكون العائد أكبر، وستكون الدعوة بين الناس أكثر قبولاً، وأسرع استجابة؛ لأن مجتمعنا اليوم أقل ولاءً للشياطين، وما يزال غالب أفراده يرتادون المساجد، ويؤدون الفرائض، ويذكرون الله، وما يزال يملكون في حسهم رصيدًا من خوف الحساب من اليوم الآخر، ويعملون حسابًا كبيرًا لهذا اليوم.

 

إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى رجال من طراز هذا الرجل، لا ينتظرون أوامر إليهم كي تدفعهم إلى أداء دورهم الدعوي، وإنما ينطلقون إلى أداء مهمتهم من إحساسهم بأن الدور الدعوي خير كله، وبأنه مطالب أن يبلغ دعوة الله حبًّا في الله، وإخلاصًا له، ويقينًا بوعده، وتصديقًا بلقائه.

 

(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)) (الكهف: من الآية 110).

 

وإن كان يريد إذنًا بالدعوة، فليأخذ من قول ربه له: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125 من الآية) ومن قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33)) (فصلت).

 

ومن يقرأ سورة القصص يتأكد أن رد الرجل لم يكن فقط في دعوة أهله وقومه، وتثبيط همة الملأ من قوم فرعون عن إيذاء موسى، كما رأينا في سورة غافر، ولكن عندما رأى إجماع الناس على الباطل، وأن تيار كفرهم وعنادهم أكبر من أن يوقفه جهد رجل ونصائحه، سارع ليحذر موسى من مكرهم وفجورهم، ويفضح ما تواطئوا عليه من التآمر الشيطاني على حياة المخلصين من المؤمنين (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ (20)) (القصص).

 

واستجاب موسى لنصيحة الرجل على الفور (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)) (القصص).

 

إن الرجل لم يلتمس لنفسه العذر في أنه بذل في موقف النصح والإقناع لقومه ما بذل، وأنه اجتهد بكل درجة ممكنة لينقلهم من الكفر إلى الإيمان، أو ليكف أيديهم عن إيذاء المؤمنين، ولكنه عندما لم تفلح جهوده في دعوتهم وهدايتهم انتقل إلى ميدان جهادي آخر، دون أن ينتظر إذنًا من أحد، أو يعود إلى كبير أو صغير يلتمس منه المشورة، أو يتلقى منه الإذن؛ لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى مشورة أو إذن، وأسرع من أن ينتظر ترددًا أو تقصيرًا.

 

لقد انتقل من ميدان الدعوة والنصيحة إلى ميدان العمل، صبيانه أرواح المخلصين ونصحهم وبيان ما يُدبَّر لهم على أيدي هؤلاء القساة الظالمين المجرمين، فكان الرجل في المجالين عظيمًا وعاقلاً وإيجابيًّا أريبًا.

 

وقريب من نموذج هذا الرجل، رجل آخر، نلقاه في سورة "يس" عند قوله تعالى:(وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)) (يس)

 

"قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن أهل القرية هموا بقتل رسلهم، فجاء رجل من أقصى المدينة يسعى أي لينصرهم من قومه، قالوا وهو حبيب بن سرى، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال اسم صاحب يس حبيب النجار، فقتله قومه، وقال السدي كان قصارًا، وقال عمر بن الحكم كان إسكافًا، وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل