المحتوى الرئيسى

جلعاد شاليط ومعركة حماس التاريخية

06/25 21:36

بقلم: فؤاد الخفش

لا أتوقع أن هناك حربًا خاضتها حماس حتى اللحظة أشد ضراوةً من الحرب التي تخوضها منذ أسر الجندي جلعاد شاليط، والذي كان سببًا في قصف الناس واعتقال الآلاف من قيادات ونواب وحصار الحركة ودكّ القطاع بالصواريخ وحرب التشويه الإعلامية التي قادها الكيان على الحركة والتضييق الذي شن على الأسرى في سجون الاحتلال وحرمان أسرى القطاع من زيارة ذويهم.

 

والحق أقول ودون انحياز أن حماس استطاعت أن تصمد حتى اللحظة في هذه الحرب الضروس، وأن تواجه كل ما واجهت في جلد، وأن تدير المعركة بنجاح كبير بشهادة كل الأطراف والجهات والقاصي والداني بما في ذلك العدو الصهيوني.

 

حماس- وخلال هذه الأعوام الخمسة- تمكَّنت من أن تحتفظ بالجندي في منطقة تعتبر من أكثر مناطق العالم كثافةً وصغرًا من حيث الحجم، وأعلن العدو فشله في إمكانية التوصل إلى مكان الجندي، وأن شاليط لن يعود إلا من خلال الرضوخ لمطالب المقاومة، وفي هذا نجاح استخباراتي لحماس وفشل لمخابرات العدو التي لم تتمكن حتى اللحظة من معرفة مكان شاليط.

 

استطاعت حماس أن تُظهر درجةً عاليةً من القدرة على التفاوض وفرض الشروط ومناورة العدو، وإبداء تقدم وقت أن يحتاج الأمر إلى التقدم وتجميد الأمر وقت أن يحتاج الأمر إلى تجميد الأمر.

 

صمدت حماس بشكلٍ بطولي أمام الضغوط التي كان يقوم بها النظام المصري الذي كان يريد أن يتمم صفقة بأي نتيجة مكتفيًا بتقديم نجاح دبلوماسي وإرضاء الاحتلال على حساب المقاومة؛ الأمر الذي رفضته حماس بالرغم من حاجة حماس الكبيرة لمصر التي تعتبر الرئة التي تتنفس منها.

 

تحمَّلت حماس ضغوط الاحتلال ورفضت تقديم معلومات مجانية، وأبدت مرونةً وديناميكيةً مقابل صفقة الأسيرات وشريط شاليط، وأنها مستعدة إن قبل الاحتلال لإطلاق سراح الجندي إذا ما أذعن المحتل لشروط المقاومة.

 

تمسكَّت حماس بمطالبها العادلة، وبقيت تصرُّ على ضرورة الإفراج عمن طرحت أسماءهم في الصفقة، وبالذات القادة وأصحاب الأحكام العالية وأصرَّت على ضرورة أن تتضمن الصفقة أسماء أسرى من الداخل والقدس.

 

استطاعت حماس أن تعيد الاعتبار لقضية الأسرى، وأن تعيدها للواجهة بعد أسر الجندي شاليط، وأبرزت معاناة هذه الفئة التي كادت تُنسى في خضم الأحداث التي تعصف بالمنطقة.

 

حاولت حماس منذ انطلاقتها وحتى اللحظة عدة محاولات؛ الأمر الذي يُوضِّح مدى اهتمام الحركة بهذه القضية، فللحركة تسعة محاولات حقيقية وصلت في النهاية للنجاح؛ الأمر الذي يشير إلى إصرار الحركة على إنهاء معاناة المعتقلين ويقينها ألا سبيل للإفراج عنهم إلا من خلال عمليات التبادل.

 

أعادت هذه العملية الروح للأسرى ودبَّت الحياة من جديد لديهم، وبات هناك حلم للحرية اقترب أن يتحقق، وأستطيع أن أقول إن حياة الأسرى تغيرت بنسبة 180 درجةً بعد أسر الجندي شاليط.

 

ذات الروح أعادتها حماس لعائلات الأسرى الذين نسوا أشكال ذويهم بسبب طول مدة أسرهم وبقائهم في السجون فباتت بعض العائلات تشيد أبنية لأولادها، وتبحث عن عرائس لبنيها الذين من المتوقع أن يُفرج عنهم في أية لحظة.

 

حماس استطاعت وحتى اللحظة الانتصار بمعركة عض الأصبع التي مارسها الاحتلال عليها من خلال اغتيال القادة واعتقال الرموز وحصار القطاع والحرب الإعلامية، وبقيت مُصرِّةً على ضرورة الإفراج عن جميع مَن تطالب بهم.

 

لا شك أني أتوق لإتمام هذه الصفقة والإفراج عن جميع ذوي الأحكام العالية، ولكني أتوق أيضًا لمعرفة تفاصيل إدارة المفاوضات كل هذه المدة؛ لأنه في هذه التفاصيل إظهار لجلد وقوة المفاوض الذي استطاع أن يدير المعركة بكل نجاح حتى اللحظة.

 

من المؤكد أن جنديًّا واحدًا لن يستطيع أن ينهي مشكلة الأسرى بشكلٍ كامل، وأعلم جيدًا أن عائلات الأسرى تنتظر على أحر من الجمر، وأن حماس لن تستطيع أن تنجز كل ما تريد؛ لأن هذه مفاوضات وبها تعقيدات وبها أطراف وسيطة، ولها ظروفها التي تحكمها، صمود حماس كل هذه المدة وإدارتها للمفاوضات غير المباشرة بهذا الصمود والإصرار يجعلنا نقف إجلالاً وإكبارًا لهذا المفاوض الذي مرغ أنف المحتل في التراب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل