المحتوى الرئيسى

الفقر وسنينه...؟بقلم: محمد هجرس

06/25 21:23

الفقر وسنينه...؟

بقلم: محمد هجرس**

لم أكن أتخيّل أنني والذي قضيت قرابة ربع قرن من التحليق جوّا، سينتهي بي المطاف، في رحلتني الأخيرة، لعبور البحر الأحمر في عبّارة، وصفوها بأنها "لنش سريع" يفترض أن يقطع المسافة في قرابة ثلاث ساعات، لتصل إلى أكثر من خمس ساعات في الماء فقط، هذا عدا أربع ساعات قضيناها داخل العبّارة بانتظار أن تبحر عند موعدها الحقيقي في الثانية بعد الظهر، وهو ما لم يتحقق.

وبقدر ما كانت الرحلة البرية ممتعة من تبوك بالمملكة العربية السعودية وحتى ميناء ضباء البحري، حيث الطبيعة البكر والتي لا أعرف كيف يسكت الأشقاء السعوديون عن عدم استغلالها سياحياً بما يليق، وبفدر ما كانت المعاناة عند مدخل الميناء، بدءاً من الجندي الذي ما أن لمحني أدخل وبيدي سيجارة، حتى صبّ جام غضبه، وقال لزميله:"سأنفضه" ما جعلني ابتسم استعداداً للأسوأ، وهو ما يبدو أنه قد أثاره أكثر، فانبرى في السيارة تفتيشاً وتقليباً رأساً على عقب، وبينما كنت أبتسم مرارةً وسخريةً، كان يهيج أكثر، للدرجة التي دفعته لإغلاق صوت الكاسيت بحنق، بعدما سألني عما تعنيه كلمات أغنية تايتانيك التي كانت تصدح، وبعدما أبديت جهلي بمعانيها، انفعل أكثر وقال:"طيب لما انت مو عارف.. ليش تشغلها؟" وانبرى لتفتيش حتى علب أقراص السكري التي أحملها، ثم سألني عما إذا كانت "فياجرا" فضحكت أكثر، ما زاده حنقاً عليّ وقال لي ما معناه:"عايز تفهمني إنك فحل" فطنشت الإجابة لأنها كانت ستكون "قليلة الأدب" وربما تمنعني من اللحاق بالعبّارة.

تنفستُ الصّعداء، ومضيتُ إلى العبّارة وكان اسمها لسوء الحظ "القاهرة" وهي إحدى سفينتين، أهداهما العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لمصر قبل ثلاث سنوات تقريباً، وعقب حادث غرق العبارة السلام، ومقتل ما يزيد عن 1200 مصري فيها.. الأخرى اسمها "الرياض" تيمنا للعلاقة المميزة بين مصر والمملكة العربية السعودية، وتتويجاً لسلسلة من الكرم السعودي نحو مصر وشعبها رغم ما يقوله بعض المغرضين.

على المقاعد الفخمة التي تشبه مقاعد الطائرة، كانت المفارقة المحزنة والمخجلة، والتي دمرت أول صورة مصرية يمكن أن يطالعها مغترب مثلي، فوضى لا مثيل لها، بدءاً من سوء الخدمة التي بدا أن الطاقم المصري يجيدها عن ظهر قلب، أو من سوء السلوك الجمعي والجماعي، فغالبية الركاب من البسطاء محدودي الدخل، الذين يبدو أنهم لم يتعودوا على الجلوس على الكراسي فافترشوا الأرض والممرات، حتى كان منظر اللجوء لدورة المياه العائمة بالبقايا الآدمية أشبه برياضة قفز الحواجز، وإذا حاولت أن تنصح أحداً فإن ثقافة الصراخ هي السائدة والمسيطرة.

أربع ساعات قبل أن تبحر العبارة "القاهرة" في طريقها إلى سفاجة، ونحن محشورون، فيما لا أحد يقدم تبريراً أو اعتذاراً عن التأخير، وكأن لا كرامة لمصري أبداً، لا في بلده، ولا في عرض البحر، حتى عندما حاول البعض التذمر، وطلب تشغيل التكييف على الأقل، فوجئنا بأحد أفراد الطاقم، يعلق على كتفيه أشرطة لا أدري ما نوعها، أو أهميتها، أو منصبها، يهاجم الجميع ببذاءة وكـأننا في حلقة لسوق السمك، غادرت مقعدي، وتوجهت إليه، محاولاً تهدئة الجموع الغاضبة التي لو اقتربت منه لفتكت به، قلت له بهدوء: يا سيدي لماذا تصرخ فينا؟ فأجابني بصوت عالٍ: لو سمحت يا أستاذ لا تتدخل! تعجبت وقلت له: ألست أنا من ضمن الركاب، فمن حقي التدخل، ثم ألم يكن من واجبك، أو من واجب أي مسؤول على هذه العبّارة أن تتعلموا احترام الناس؟ ألم يكن من الأفضل بدلاً من أن تتركوا شاشات التليفزيون تعرض دعاية كاذبة ووهميّة عن إنجازات الشركة الناقلة التي صدعتوا رؤوسنا بها، أن تبينوا للناس لماذا ستتأخر الرحلة؟ تعتذرون على الأقل كنوع من احترام البشر؟

اقترب مني، وسألني بصوت خافت:"هو حضرتك بتشتغل إيه؟" ضحكت وقلت له: لا يهم ماذا أعمل؟ المهم أنني مصري، وكي تستريح، فأنا صحفي، وسأنقل كل ما أراه وأفضحكم، وكانت بيدي كاميرا التقطت بها صوراً للمنهكين والمستلقين في الردهات.

صمت الرجل، فيما عمّ السكون الممرّ إلى قمرة القيادة، فصاح بعض المتذمرين:"ينصر دينك يا أستاذ" وعاد الطاقم ليشرح أنهم لم يأخذوا إذنا بالإقلاع، فقلت له: لا تقل لي هذا الكلام، بل عليك أن تعلنه لهؤلاء الغلابة، على الأقل يكون سلوكاً حضارياً يوازي قيمة ثورة 25 يناير.. فخجل الرجل وفعلاً.. علا صوته، يقدم اعتذراً علنياً فيما الجميع يصفق وبعضهم يصفق:" تحيا مصر".. عندما بدأت العبارة في التحرك بعد 4 ساعات من الاحتجاز، فيما سرت قشعريرة في جسدي، زادت مع مرأى البسطاء الذين افترشوا الأرض أو أولئك الذين يتقيأون بسبب دوار البحر.

كان مشهداً كوميدياً للغاية، فالأصوات العالية قبل قليل انهمكت في معالجة نوبات القيء الشديد، واشتد الزحام على العيادة الطبية التي للأسف لا تصلح إلا مقلبا للقمامة، ممرضة وحيدة ساقها حظها التعس أو قلة الحيلة أو الإمكانيات لأن تكتفي بصرف بضع حبات للدوار، تناولت إحداها تحسباً، بينما كانت معدتي تتقلب من سوء المنظر، وسوء الخدمة، والاستغلال البشع.

البسطاء الذين لا يملكون ثمن تذكرة طائرة، وقطعوا آلاف الكيلومترات، كانوا يعترضون على ثمن زجاجة مياه معدنية من الحجم الصغير، والذي يقترب من 5 جنيهات مصرية، فيما كوب الشاي كذلك، وسمعت أحدهم يحلف بالطلاق ثلاثة، إنه لن يتناول شيئاً حتى يصل إلى بلده في صعيد مصر.

كانت رائحة العرق تسيطر، فيما الوضع في دورات المياه "يسد النفس" ولما شكوت لأحد أفراد الطاقم، هذا السوء، اكتفى بالقول:"نعمل إيه يا بيه.. آدي انت شايف".

ولأني شايف كويس، خاصة بعد 48 ساعة من قلة النوم، فقد عرفت لماذا غرقت عبارة السلام؟ ولماذا ابتلعت أسماك القرش جثامين 1200 مصري مجاناً وبدون أي ثمن؟ ولماذا نحن فاشلون في إدارة أي شيء حتى لو كان هذا الشيء عبّارة نقل جاءتنا هدية؟

حتى الهدايا.. لا نحسن التعامل معها؟ فما أتعسنا من شعب!

........................

........................

في ميناء سفاجة، كانت الكارثة!

لم أصدق أنني على أرض مصرية..

أدركت كم الإهمال البشع والاستغلال الشنيع، الذي كان يحكي لي عنه بعض أصدقائي من جنسيات عربية، في المطارات أو الفنادق المصرية ولم أكن أصدق.

لا مكان لائق لاستقبال خلق الله..

ولا بسمة على الوجوه، يمكن أن تخفف من العاصفة الترابية التي هبّت على الساحة الفارغة في منتصف الليل وجعلتنا مجرد أشباح، تحت رحمة مخلصين و"شيّالين" أحدهم طلب 300 جنيه في تنزيل شنطتين لفحصهما أمام الجمارك، وأجهزة المفرقعات والمباحث والأمن والمرور، ولا أدري ماذا بعد، فيما تصوير جواز السفر وورقة التأشيرة تطلّب دفع 25 جنيهاً!

الخروج من ساحة التفتيش، كان أشبه بطوق نجاة عند الثانية صباحاً، بينما التحذيرات والتنبيهات بعد السفر ليلاً خوفاً من قطاع الطرق على أشدها، فاتفقنا كمجموعة على أن نسير في فوجٍ، سرعان ما ذاب ولم يصبح له أثر، لأن الجميع تصرف بفردية، وما صدّق أن "يخلص" وكي لا تستمر المهزلة في غياب مكان للمبيت فيه، فقد كان قرار السفر ليلاً للقاهرة، والوقوع بين أيدي قطاع الطرق المزعومين أفضل ألف مرة من البقاء في هذا الجحيم.

60 كيلو متراً من سفاجة إلى الغردقة، وبعدها 120 إلى رأس غارب، ثم قرابة 500 كيلو متر إلى القاهرة، كانت مسكونة بالترقب، والخوف، والتحذير من عدم التوقف لأي أحد مهما كان.

خمس ساعات ونصف، كان طلوع النهار فيها، أشبه بعودة الروح، خاصّة عندما نزلت من على الطريق السريع باتجاه شارع فيصل والمريوطية، حيث كان منظر الأهرامات من أعلى الكوبري جديراً بالارتياح وبأن هناك ثمّة شيء هناك على هذه الأرض يستحق الحياة.

ساعتان تقريباً، من اللف والدوران، قبل الوصول لطريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، انتهت بتنهيدة ارتياح عند الوقوف في أول محطة بنزين، ضحك العامل وهو يداعبني: "ما بصيتش في المراية يا باشا؟"

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل