المحتوى الرئيسى

بلاط السندباد بقلم: د. آية عبد الله الأسمر

06/25 21:09

بلاط السندباد

بقلم: د. آية عبد الله الأسمر

يحكى أن سندباد استلم سدة الحكم فتوسّم الناس فيه خيرا، وابتهجوا بعهد جديد يعتقدون أنه لابد وأن يكون مختلفا؛ ذلك أن سندباد فتى شعبيا، وقد كان شابا فقيرا قبل أن يصير تاجرا ذائع الصيت يعرفه الداني والقاصي ويحبه الكبير والصغير.

مرت الأيام والناس ما يزالون يعانون من الفقر والفاقة والحاجة، ومرت شهور طوال وأوضاع الناس تزداد سوءا وأحوالهم تزداد ترديا، فخرج عليهم سندباد الوالي يطلب منهم الصبر الجميل ويذكّرهم باستشراء العجز والفوضى والفساد في البلاد، ويعدهم بأنه ما زال يعمل على اجتثاث جذور الخراب الذي أتلف البلاد وأنهك العباد، ويسألهم أن يمنحوه مزيدا من الوقت وبعضا من التفهم وكثيرا من الحب.

أحب الناس سندباد وآمنوا به وبوعوده، إلا أن السنوات مرت بطيئة وراكدة وكدرة والوالي يخرج إلى الناس في كل مرة يطمئنهم ويخطب بهم من شرفات قصره المرصعة بالجواهر، ويبشرهم بأن إرادته السامية وحدها ستتكفل بحل أزماتهم ووضع حد لمأساتهم، وإنهاء حالة "ربط البطون وشد الأحزمة" وسياسة الزهد والتقشف التي يعاني من تبعاتها الشعب، وفي كل مرة يوضّح لهم أن البلاد تعاني من فقر في الموارد وشح في المصادر ومآزق مادية جسيمة أدت إلى عجز كبير في الميزانية، مما سيضطره آسفا أن يزيد مقدار الجباية المفروضة على الرعية، بهدف تحسين الأوضاع بشكل عام مما سيترتب عليه تغيير ظروفهم المعيشية لاحقا والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة لهم على المدى البعيد.

انصاع الشعب لرغبة سندباد ورضخوا لمطالب قاضي المدينة "علي بابا"، الذي عيّنه الوالي لتسيير أمور الشعب والنظر في شكاويه والعمل على راحته، فنزل الجباة إلى شوارع المدينة يطرقون أبواب ساكنيها ويدخلون محال تجّارها ويداهمون أراضي الفلاحين، يطالبونهم بالجباية المفروضة عليهم بالإضافة إلى مبالغ إضافية تحتاجها المدينة من أجل الترميم والإصلاح والتطوير، تدافع الناس يهتفون باسم الوالي ويدفعون ما عليهم من نقود ويجودون بالطعام والشراب ويعرضون خدماتهم ورغبتهم في المشاركة في إعادة بناء البلاد.

فوجئ الشعب صباح اليوم التالي وهو يشاهد القصور المشيدة تزداد عددا وتكبر مساحة وتنتفخ بذخا، وحاشية الوالي تعيث في البلاد فسادا وطغيانا دون حسيب أو رقيب، فبدؤوا بالتذمر وهددوا بإعلان العصيان وأضربوا عن العمل وامتنعوا عن دفع أموال الجباية، فخرج عليهم علي بابا يعدهم بأنه سيباشر بحل قضاياهم فور الانتهاء من تشييد القصور الضرورية لحاشية الوالي، وقرأ عليهم جدول أعمال الوالي وحاشيته وبلاطه المتعلق بالقضاء على همومهم كافة بمجرد إعلان إنهاء حالة الطوارئ في البلاد.

التزمت الرعية الصمت نظرا لحبها لسندباد واحترامها لوزير البلاط "علاء الدين" وإيمانها بتوبة علي بابا وإشفاقها على زوجة الوالي "ياسمينة"، فلقد عانت ياسمينة لسنوات طويلة من السحر والشعوذة قبل أن يزول عنها أثر السحر وتتزوج من سندباد، ولكن ياسمينة ظلت كالطيور تأكل كل ما تجده أمامها من صغار الحيوانات والبيض والحبوب، حتى ضاق بها ذرعا الفلاحون والمزارعون والرعاة بسبب الأضرار الجسيمة التي لحقت بهم من جراء شراهة زوجة الوالي، التي استحوذت على أراضيهم وتملكت حيواناتهم وأتلفت محاصيلهم، فجمعت الحبوب وكدستها في سراديب القصر للضيافة، وأمرت باصطياد كل العصافير والطيور في المدينة من أجل حبسها في أقفاص ذهبية كوجبات مستقبلية لها، كما وطالبت بمصادرة بيض المدينة لتخزينه في خزائن القصر لاستخدامه لأغراض الزينة أو التغذية.

ظن الشعب أن الوزير علاء الدين بسنوات عمره المحشوة خبرة وحنكة وشقاء وأسفارا، سوف يضفي على ولاية سندباد حكمة وعمقا وشعورا بالمسؤولية وإحساسا بالآخرين المنكوبين المحتاجين، إلا أن علاء الدين فاجأ الملأ بزواجه من ابنة عم زوجة الوالي ياسمينة، فانتقل للسكن في أحد القصور المشيدة حديثا والتابعة لقصر الوالي، وأصبح من رجالات بلاط السندباد المقربين الذين لا يقولون لا، ولا يرفعون شكوى ولا ينطقون بكلمة حق ولا يخلصون النصيحة أو يحكّمون الضمير، تحوّل علاء الدين من ممثل للشعب وإرادته وأحلامه وتطلعاته إلى ثرية كبيرة في بهو القصر لا تنير إلا ظلام الليالي الماجنة التي يرتع الوالي في أحضانها، وبمرور الزمن تحولت الثرية الكريستالية الكبيرة المضيئة إلى سجادة حمراء فاخرة في بلاط الوالي يدوسها سندباد وحاشيته كل صباح ومساء.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل