المحتوى الرئيسى

الأردن: الإصلاح التائه بين تضارُب الرسائل وتناقُـض الرِّهانات!

06/25 20:31

 

بالرغم من محاولة "مطبخ القرار" في عمَّـان تقديم رسائل وإشارات متعدِّدة، داخلياً وخارجياً، باختلاف الحالة الأردنية عن الدول العربية الأخرى، وبقُـدرته على الوصول إلى إصلاحات سِـلمية، من دون المرور بالسيناريوهات الثورية، إلاّ أنّ هذه الرسائل تُـواجَـه برسائل أخرى متضارِبة في الاتجاه المُـختلف تماماً.

 

استقالة طاهر العدوان، وزير الإعلام الأردني مؤخراً، وهو صحفي وكاتب مُـخضرم في الأصل، وتسبيبه الاستقالة برفْـضه لمشاريع قوانين وُصِـفَـت بالعُـرفية مرَّرها رئيس الحكومة معروف البخيت إلى مجلس النواب، برغم رفض مجلس الوزراء لها، يعزِّز من صوت المعارضة السياسية والأصوات المشكِّـكة بمِـصداقية الحكومة ونيَّـتها الحقيقية بالسَّيْـر في الإصلاح المطلوب.

 

التعديلات على مشاريع القوانين، تتضمَّـن عقوبات شديدة ضدَّ مَـن ينشر في أي وسيلة، ما يؤدِّي إلى اغتيال الشخصية أو ترويج الإشاعات، وهي عقوبات يرى الإعلاميون بأنّ الهدف منها "تكبيل الحرية الإعلامية" والحدّ من دوْر الإعلام، الذي برز مؤخراً بصورة واضحة في كشْـف المستور من الفساد، كما حصل في موضوع خروج خالد شاهين، أحد المتَّـهمين بالفساد، للسفر بداعي العلاج في الولايات المتحدة، لكن تبيَّـن أنه في لندن، ما خلق ردود فِـعل شعبية وارتباك رسمي في تبرير ما حدث، وجعل من قضيته عنواناً رئيسياً للتشكيك في نزاهة الدولة عموماً، وهو ما أزعَـج السلطات ودفع بمسؤولين كبار إلى تحميل الإعلام مسؤولية إثارة هذه القضايا.

 

روح الإنتِـقام من الإعلام، التي تعشْـعـش في عقل المسؤولين الكبار ومحاولة تكميمه مع بقاء منطِـق الصِّـدام التقليدي مع المعارضة والعمل على تعزيز التيار المؤيِّـد على حساب المعارض، ما خلق ظواهر مثل "البلطجية"، كل ذلك عزّز من التساؤلات وعلامات الاستفهام على نوايا "مطبخ القرار" الفِـعلية، وفيما إذا كان ينوي فِـعلاً القيام بإصلاحات حقيقية جوهرية، كما يعلن، أم أنّ الرِّهان الحقيقي لديه، هو حصرياً على "شراء الوقت" والقيام بإصلاحات شكلية سطحية لا تغيِّـر من ميزان القوى ولا بنية المعادلة على الأرض؟

 

 

يوم 13 يونيو 2011، كان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في زيارة إلى مدينة الطفيلة التي تبعد 130 كيلومترا جنوب العاصمة عمّان 

ماذا يريد "مطبخ القرار"؟

إحدى الأسئلة المفتاحية المهمَّـة فيما يجري في الأردن هي: ماذا يريد مطبخ القرار؟ أو ما هي رِهاناته الحقيقية؟  مسؤول كبير سابق، أكَّـد في تصريحات خاصة لـ  أن الملك شخصياً يريد إصلاحاً حقيقياً فِـعلياً، يبدأ من الإصلاح الدستوري وصولاً إلى قانون انتخاب وحكومات برلمانية، وأخيراً مَـلَـكية دستورية.

 

هذا الجواب أعلنه الملك مؤخراً في أكثر من مناسبة، ولم يعُـد خافياً. يعزِّزه، وِفقاً لمسؤولين، تشكيل الملك للجنة الحِـوار الوطني، التي أنهت عملها مؤخراً وقدَّمت قوانين انتخاب وأحزاب ووثيقة مرجعية للإصلاح السياسي، لتكون هذه المُـسودّات مقدِّمة لتحوُّلات سياسية مهمَّـة، تفتح الطريق أمام انتخابات نيابية مبكّـرة ونمُـو الحياة الحزبية، وصولاً إلى تشكل أحزاب قوية في البرلمان.

 

وفي سياق "رسائل حُـسن النوايا"، أعلن الملك عن تشكيل لجنة للتعديلات الدستورية، بعد ارتفاع سقف المَـطالِـب الشعبية بذلك، وعهد إليها القيام بأي تعديلات تُـساهم في تطوير الحياة السياسية والنيابية، وهي المرة الأولى التي تتِـم فيها الموافقة على "فتح الدستور" مُـطلقاً للتغييرات والتعديلات وردِّ الإعتبار للسلطة التشريعية - البرلمانية، بعدما تغوَّلت السلطة التنفيذية على سلطاته وصلاحياته واستقلاليته، بفعل تعديلات كثيرة أجْـرِيت على الدستور خلال العقود الماضية.

 

بالرغم من هذه الخطوات، إلاّ أنّ المعارضة السياسية ما تزال تشكِّـك في وجود إرادة حقيقية بالإصلاح السياسي، وترى أنّ كل ما في الأمر محاولة "مطبخ القرار"، شراء الوقت والتحايُـل على الظروف الإقليمية الجديدة (الربيع العربي والحراك الشعبي الجديد) بمستوىً محدود من الإصلاحات الشكلية، مع الإبقاء على قواعد اللُّـعبة السياسية كما هي، وفي مقدِّمتها الصلاحيات والسلطات الواسعة للملك واليَـد المتنفّـذة المُـطلَـقة للدوائر الأمنية في الحياة العامة.

 

ترى المعارضة الأردنية أنّ الرهان الحقيقي لـ "مطبخ القرار"، يكمُـن على أنّ الربيع الديمقراطي العربي سيكون فقط "موْسِـماً مُـؤقتاً" وأنّ الموجة الثانية من التحوُّلات تبوء حالياً بالفشل في سوريا وليبيا واليمن، وهو ما سيوقف "دومينو الثورة"، فضلاً عن الرِّهان على تعثُّـر "التحول الديمقراطي" في كلٍّ من مصر وتونس، مع بروز الصِّـدام والصراع بين القِـوى السياسية، تحديداً الإسلامية والعِـلمانية.

 

ما يُـعزِّز هاجس المعارضة من "النوايا الحقيقية" للنظام، هي الجهود المبذولة لإعلان انضمام الأردن إلى مجلس التعاون الخليجي وتفسير ذلك بأنه محاولة خليجية لمقايَـضة مطالب الإصلاح السياسي بدعمٍ اقتصادي ومالي، وتوفير فُـرص عمل وحلِّ المشكلات الاقتصادية، ما يحصِّـن الأردن من "محرِّكات التغيير" ويُـؤمّن الجبهة الشمالية لدول الخليج، حتى لا تَـطال رياح التغيير "الممالك العربية"، ويبدأ موسِـم جديد من دومينو الديمقراطية أكثر خطورة وتأثيراً.

 

رهانات المعارضة.. البقاء في الشارع

على الطَّـرف الآخر إذن، ترى المعارضة أن الرهان الحقيقي، ليس على مدى "جدية" مطبخ القرار وحُـسن نواياه، بل في النزول إلى الشارع ورفْـع سقْـف الضغوط والمَـطالِـب، لتحقيق أكبَـر قدر من الإصلاحات البنيوية.

 

الحِـراك السياسي الشعبي، لم يتوقَّـف منذ بداية العام، إلا في فترة محدودة أعقبت أحداث ما سُـمي بـ 24 مارس، عندما قرَّرت حركة شبابية متعدِّدة المشارب الأيديولوجية، رُكنها الرئيسي الشباب الإسلامي، إقامة اعتصام مفتوح في أحد الميادين المتحكمة بالشوارع الرئيسية في عمّـان، ما أثار سُـخْـط وقلق السلطات، وأدّى إلى مواجهة بين الدَّرك و"البلطجية" (وكلاء مدنيين للدولة لقمع الإحتجاجات) مع آلاف المعتصِـمين، وأدّى إلى مَـقتل شخص وإصابة المئات، بعد عملية فضِّ همجية للإعتصام.

 

أعقب ذلك مواجهات في شهر أبريل التالي فوراً بين أنصار السلفية الجهادية والأمن والبلطجية في مدينة الزرقاء، وقد استغلَّـت الحكومة ذلك، بتعميم صورة المواجهات واستخدام الجِـهاديين للسلاح الأبيض ضدّ الشرطة، ما خلق حالة من القلق والتوتُّـر في البلاد، فقرَّرت قوى المعارضة تأجيل الإحتجاجات والمسيرات إلى حين تتلاشى آثار المواجهات.

 

المفاجأة الكبرى، كانت بانفجار الاحتجاجات مرّة أخرى من مدن ومحافظات الجنوب، وتحديداً الطفيلة، وهي المدينة المعدمة، إذ تفتقِـد إلى فُـرص العمل والتنمية وتُـعاني، كغيرها من المحافظات البعيدة، من التهميش السياسي والإهمال الرسمي، فخرجت المسيرات والمظاهرات وبدأت الاعتصامات بصورة أكثر شراسة وعُـنفاً من عمَّـان.

 

ما رفع من سُـخونة الأجواء في المحافظات، تعطيل الشباب الناشط في الطفيلة زيارة لرئيس الوزراء إلى المحافظة، ومن ثَـم مواجهات غيْـر مسبوقة بين الدرك (الشرطة الخاصة) وأبناء محافظة الطفيلة خلال مرور موكِـب الملك في المدينة، بعد أن رفض المحافظ السماح للشباب بلقاء الملك وعرض رُؤيتهم الإصلاحية.

 

مع تجدُّد الإحتجاجات في الجنوب، عاد النشاط إلى عمّـان والمدن القريبة منها، الزرقاء وإربد، وانتعش الشارع مرة أخرى، مع رفع سقف المَـطالِـب والدعوة إلى تغييرات جِـذرية وجدية.

 

السباق مع الزمن وهيمنة لغة المكاسرة

اشتِـعال الإحتجاجات في الجنوب واحتمال استمرارها وتطورها، هو الهاجس الحقيقي لمطبخ القرار، إذ أن أغلب الإنتفاضات وأحداث العُـنف الحقيقية، انطلقت تاريخياً من المحافظات الجنوبية، وهي المناطق التي تعيش مُـعاناة أكثر وطْـأة من عمَّـان والمدن الأخرى، إذ تفتقر إلى القِـطاع الخاص والاستثمار وتُـعاني من ضعف البنية التحتية ومحدودية الخدمات الاجتماعية والتهميش السياسي وهيمنة نُـخب عمَّـان على الدوائر العليا في الدولة، بالرغم أنّ محافظات الجنوب، هي الخزّان البشري الإستراتيجي التقليدي لاستقرار النظام وقاعدته الاجتماعية الحقيقية، مع عشائر البَـدْو في الوسط والشمال.

 

رِهان "مطبخ القرار" على حلول اقتصادية لمواجهة الأزمة التي يعيشها الجنوب، مع تجاهل المسؤولين الكامل لخطورة الوضع السياسي، وهو عامل لا يقل خطورة عن الاقتصادي، وتحديداً ما يتعلَّـق بالغضب من انتشار الفساد في مفاصل الدولة وعلى أعْـلى المستويات.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل