المحتوى الرئيسى

حاشى أن تهزم الإسلامَ والعقلَ فراشة بقلم:محمد الحمّار

06/25 18:54

كان الشباب في أوج تفاعله الفايسبوكي مع أحداث الثورة، يجسمون كما يكون التجسيم ما يسمى بـ"مفعول الفراشة". ولفتت انتباهي آنذاك رسالة قصيرة نشرها شاب حكيم. تقول الرسالة: "عربة بائع متجول تنقلب في سيدي بوزيد والدنيا تنقلب على التوّ في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة".

وليست تلك المرة الوحيدة التي تمسكُ فيها بديهة الشباب بناصية مفعول الفراشة. ولتأكيد ذلك يكفي أن نعيد للذاكرة ذلك الشعار الشهير للثورة: " بائع متجوّل يُسقط نظام التحوّل". لكن الذي ليس معهودا بل وليس متوفرا بعدُ في وعينا وفي ثقافتنا هو الإدراك بالديناميكية الذي يخلقها مفعول الفراشة في المشهد اليومي من حياتنا الاجتماعية. وهي ديناميكية تخدِمك إن خدَّمتها لكنها تُخدِّمك إن خدَمْتها.

فالعديد من الظواهر والكثير من المظاهر تقع قسرا تحت وطأة هذا القانون. وهو قانون طبيعي إلاّ أنه انتقل إلى المجال الاجتماعي واستغله علم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم السياسة لرسم السياسات ولترويجها و لتكييف السلوك حسب مشيئة صانعي القرار.

ومن أهم الظواهر والمظاهر نذكر إقبال الناس دُفعة واحدة وبأعداد وافرة على استهلاك إنتاجٍ صناعي معيّن أو على متابعة برنامج تلفزيوني معيّن، أو إذعانهم للتغيير الفجئي في سلوكهم إزاء قضية معيّنة، أو مرورهم من حالة نفسية معيّنة إلى حالة معاكسة لها، أو الاستسلام لكذا ظروف وملابسات أو لأخرى.

أمّا المجالات التي يُستغَل فيها قانون مفعول الفراشة، إن كان لغاية الربح المادي أم النفع السياسي أم الدعم الإيديولوجي، فيمكن تبويبها إلى ثلاثة: الإشاعة، والإشهار (الاقتصادي)، والدعاية ("البروبغندا" السياسية مثلا). و يُتعمّد استخدامُ هذا القانون ليدرّ على المستخدِم الربحَ المادي أو المعنوي أو السياسي. وعادةً ما يكون المستخدِم شخصا واحدا ذا نفوذ، أو شركة ذات مصالح مركنتيلية، أو مجموعة سياسية ذات مطامع سياسية استبدادية. ولم يُرَد بهذا القانون مراعاة المصلحة العامة ولا مصلحة الفرد ولا تحرّر المجتمع ولا الفرد. وهذا مربط الفرس.

إذن ما من شك في أنّنا اليوم شاهدون على أساليب تُستعمل لاستغلال مبدأ طبيعي مثل مفعول الفراشة من طرف أناس استغلاليين وكيانات انتهازية. وهي أساليب تندرج في أطر جلب المنفعة السهلة لقوى الاستنزاف أكثر من اندراجها في أطر الإحسان للفرد وللمجموعة. وبالتالي فالتفكير في اختطاف مثل هذه الأساليب والشروع في توظيفها في ما يصلح للناس جميعا وفي تكريس القيم النبيلة أضحت ضرورة مُلحّة. والاختطاف إنقاذٌ لشعوب مثل شعب تونس من هذا الغول الفراشي، ناهيك أنها عانت الأمرّين من سياسات العصا وسياسات الاستنزاف متعدد الاختصاصات. والأجدى بالنخب المثقفة توجيه شعب تونس إلى مسار التحرّر من التغوّل الفراشي، سيما في هذه الفترة الحساسة من تاريخ بلاده.

إنّ الفراشة كائن لطيف لا محالة، لكن ها أنّ اُريد له أن يكون غولا. والعيبُ في من حوّلوا اللطف فيه إلى تغوّل، بالضبط مثلما حوّلوا المجتمع القويّ إلى فريسة تكفيها فراشة لتلتهمها وتمحقها. بينما الغول الحقيقي موجود في حالة سراح لا مشروط؛ يبتزّ أموال الشعب وينهب جهودهم ويمتص عرقهم ويحجّم تطلعاتهم بأن يُخندقها في الحُلم بالمادة دون سواها، ويقمع إرادتهم، ويحجب عن عقولهم الرؤية الواضحة إلى غدٍ سعيد: غول الرأسمالية المتوحشة، باسم الليبرالية، وبمساندة العميل الأكبر، ديانة الإلحاد المقنّع.

وحاشى أن تكون الليبرالية حليفا شرعيا للرأسمالية. فلمّا آدم سميث نفسه وهمبولت نفسه وغيرهما لم يعرّفان الليبرالية بأنها تكديس للثروات بل بأنها تسامٍ بالإبداع البشري وتعالٍ على المادة، كيف تريدنا اليوم أن نصدّق زيدا أو عمروا، من تابعي التابعين، بل مُتّبعي المتّبعين، لمّا يمضي قُدُما في تزيين الإخلاد إلى الأرض على أنه الهدف السامي للحياة الإنسانية؟

وإلاّ فكيف بلغْنا في تونس هذه الدرجة من فوضى الوجود؟ هذه الدرجة من الفوضى الفراشية؟ وهو جهل بدائي لمرتكزات الوجود. جهل مفاده أننا لم نعُد نُتقن الربط بين ما يُربَط ولا الفصل بين ما يُفصل. لا نستطيع مثلا الربط بين السبب والأثر: أنك تمارس التغوّل المالي وتطالب في نفس الوقت بإسقاط نظام الاستبداد، بينما أنت تجسيدٌ للاستبداد. أنك تتعاطى الاستقواء المركنتيلي تعاطيا مُمنهجا ومُقنّنا وتنادي في نفس الوقت بأن يؤدي أمثالك الزكاة، بينما لو أديتها وأدّوها لأرضيتم الله في باب الزكاة لأغضبتموه تعالى أضعاف المرّات في باب أكل التراث أكلا لمّا وحُب المال حبا جمّا واكتناز الذهب والفضة. أنك تذعن للانخراط في الاستهلاك المرَضي وتلجأ في نفس الوقت إلى السلفة والاقتراض والمديونية لتحقيق أغراضك. ألست تعيش لدنياك كأنك تموت غدا، على عكس ما ينصح به الأثر الديني الشهير؟ أنك ترضى بالتدخل الأجنبي في ليبيا بل وتتبجح بذلك وأنت فرحا مسرورا، بينما الانفلات الحاصل هناك بحُكم "مفعول الفراشة" قد يحرمك ويحرم صغارك وصغار صغارك، لا قدر الله، من نعمة اسمها "اتخاذ القرار الصائب".

إنّ تلك الحالات ، ومثيلاتها عديدة، شهادات على عدم استطاعة اتخاذ القرار الصائب. وهذه عاهة مستفحلة في مجتمع تونس الآن. والدليل فوضى الأحزاب. والدليل غياب سلطة اتخاذ القرار لدى الراغب في اختيار حزب من الأحزاب. ولا تعود هذه العاهة فقط إلى عدم القدرة على التمييز بين ما هو صائب وما هو خاطئ. فكل امرئ يصيب تارة و يخطأ طورا. بل تعود إلى عدم القدرة على اتخاذ القرار بالأساس. ولمّا نعلم أنّ اتخاذ القرار اختيار، والاختيار ممارسة مباشرة للحرية، نخلص إلى القول إنّ من لا يختار ليس حرّا.

فلنُرَكز على فوضى الأحزاب. ولنُذكّر أنّ اتخاذ القرار في السياسة قد يتمثل في اختيار حزبٍ أو موقفٍ أو سياسةٍ مثلا. فهل يصح الاعتقاد السائد أنّ المجتمع السياسي في تونس استعصى عليه اختيار حزب ملائم بسبب الخطأ في الأحزاب؟ بسبب غياب البرنامج لدى الأحزاب مثلا؟ لا اعتقد أنّ صحة القول بغياب البرنامج تعفي المجتمع السياسي ومجتمع الناخبين الافتراضيين من الخطأ. حيث إنّ الاختيار السياسي يشترط أن يكون مسبوقا بالاختيار وصنع القرار بخصوص أبسط الأشياء: من شهوات وميول ورغبات إلى آراء وأفكار ومواقف.

بكلام آخر لا بدّ أن يكون اختيار الحزب السياسي مسبوقا باختيار المواطن أن يأكل ما تخبزه يداه وأن يلبس ما تصنعه يداه وأن يركب ما يوصله إلى برّ الأمان. زد على ذلك فإنّ في الصبر وفي الانتظار الإيجابي، الذي يملؤه العمل والكدّ، أغلى الحِكم. إذ إنّ الانتظار نعمةٌ إذا غابت لن يتفطن المرء إلى متى سيحين الوقت لكي يدلي بدلوه في شؤون الحياة. وهل نحن صابرون ومنتظرون؟ وهل نحن من الأمم التي اختارت كيف تعيش؟ أرجّح الإجابة بالنفي والتشديد عليها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل