المحتوى الرئيسى

القيم التربوية في قصة(أحلام حسن ) للكاتب يعقوب الشاروني- دراسة بقلم:د. أميمة منير جادو

06/25 17:31

القيم التربوية في قصة(أحلام حسن ) للكاتب يعقوب الشاروني- دراسة د / أميمة منير جادو

القيم والمضامين التى اشتملت عليها " أحلام حسن " :

يؤكّد الكاتب على مجموعة مُتميّزة من القيم ذات أهمية تربوية قصوى يجب مُراعاتها عند التنشئة الاجتماعية للأبناء ، ويبدأها الكاتب بقيمة ( الطموح ) وضرورة إثارة الخيال لتحقيق هذا الطموح فيقول النص فى بداية القصة وكعبارة استهلالية : ( كيف يُمكن تحويل النحاس إلى ذهب فأصبح بذلك أغنى رجل فى العالم ؟ ) ( ص1 ) .

تلى هذه القيمة قيمة ( الحب ) وهو دائمًا عند الكاتب الحب المشروع النقى الطاهر الذى عادة ما ينتهى بالزواج والسعادة وحياة التبات والنبات ...

- كما سنرى عبر الحكى وكما هو معروف فى كل كتابات الشارونى التى تحافظ على حياء النص وتحترم مشاعر الأطفال القُرّاء – فقد ( شاهد فتاة تخرج من البحيرة ، شاهد وجهها وانطبعت ملامح ذلك الوجه الرائع الجمال فى مخيلة حسن ولم تُفارقه مُنذ تلك اللحظة ) ( ص2 ) ، ويدمج الكاتب القيمتين معًا فى عبارة واحدة فتُصبحا وكأنهما معًا مُتلازمتان ، يقول النص ( كان يبحث عن الذهب فأصبح الآن يبحث أيضًا عن الحسناء الطائرة ( * ) ) ( ص2 ) .

- يُشير النص إلى قيمة " الحذر والحرص عند التعامل مع الغُرباء " ، وهى قيمة مطلوبة للأطفال حيث أنهم أبرياء وتتوفّر لديهم حُسن النوايا لافتقادهم للخبرات الحياتية التى تكسبهم هذا الحذر فى سن مُتقدّمة ، يقـول النص – فى إشارة لتعامل حسن مع الغريب الذى أوهمه أنه سيُعلّمه صناعة تحويل النحاس إلى ذهب – ( ومع ذلك استقبل الغريب على انفراد فى المساء بدكانه رغم تحذير والدته من التعامل مع مثل هؤلاء الأغراب الذين يستغلون أصحاب النيّة الحسنة من الشباب ، ويُثيرون أحلامهم للفوز بالثروة والنجاح ) ( ص3 ) .

وفى هذا تنبيه إلى قيمة ( الحذر والحرص ) فى التعامل حيث يفهم بعض الغُرباء من ذوى الخبرة نقاط ضعف الآخرين الذين لديهم أمنيات خاصة ويغرونهم بإمكانية تحقيقها – ( وهمًا ) – طمعًا فى النيل منهم أو التغرير بهم أو الفوز بشىء ما لديهم أو استغلالهم ، مُستغلين خبراتهم التى تكتشف للوهلة الأولى سذاجتهم . ويُلاحظ أن الشارونى استلهم من التُراث هذه الفكرة غير أنه طوّعها لمُناسبة البيئة المصرية والزمان المُعاصر فقد ورد فى ألف ليلة وليلة فى هذا الموقف أن أم حسن كانت تُحذّره من ( الأعاجم ) غير أن الشارونى لم يضع المُفردة اللغوية ( الأعاجم ) التى كانت مُناسبـة للحكـى فـى ألف ليلة وليلة لكنّه تناولها بما يُناسب الحكى الحالى ، والطفـل

( * ) الطائرة فى النص تُشير إلى أن الحسناء التى رآها حسن تخرج من البحيرة ( وجدها تُفرد ذراعيها وقد أصبحا كأنّهما جناحان ، ثم انطلقت مُحلّقة فى الفضاء ) النص ( ص2 ) .

الحالى ، وهذا هو ذكاء التناول لدى الكاتب الذى يقف بخبراته على احتياجات كل مرحلة زمنية ، بل وكل عصر أيضًا ، وكل بيئة لأنها تخضع ( لنسبية الثقافة ) فطفل اليوم لا يعرف من هم الأعاجم ، وبالطبع نكتشف أن هذا الغريب خدع حسن وَنَوَّمَهُ واختطفـه ليعود النص مؤكّدًا القيمة السابقة فى عبارة مُختلفة ( وعندما أفاق حسن عرف أنّه وقع فيما حذرته منه أمّه ! ) ( ص3 ) .

إن هذه الواقعة التى أثارتها الحكاية إنما تُذكّرنا بمبدأ تربوى ينطوى على نفس القيمة عادة ما نُربى عليها أطفالنا عندما نُحذّرهم من فتح الباب بسرعة ومُباشرة للغرباء دون أن يستوثقوا من الطارق إذا ما كان مألوفًا لديهم أو غير مألوف .

أو التعامل مع بعض الناس المجهولين فى الشوارع أو نحو ذلك .

وهذه قيمة نجدها فى كثير من التراث الشعبى المُحكى على سبيل المثال كما فى قصة العنزة وأولادها الثلاثة والذئب ، والتى طالما حذّرتهم عند خروجها ألا يفتحوا الباب حتى لا يأكلهم الذئب ، فيتحايل عليهم الذئب بأن يُقلّد صوت أمّهم أو يلوّن أرجله .. أو يحمل برسيمًا على رأسه .. الخ .

مما يدل على أهمية هذه القيمة التربوية ومُناسبتها للأطفال الصُغار لتعليمهم الحذر ، والحيطة ، والحرص وليس الخوف أو الجُبن ، فشتان ما بينهما ، ذلك أن الشجاعة المحمودة ليست فى الاندفاع والتهوّر ، بل فى القوة والحكمة والتروي ، ولكل مقام مقال .

ويُثير الحكى أيضًا قيمة " البنوّة " أو الانتماء الصادق للأهل ، فيقول الكاتب ( كذلك لم يغب عن ذهن – حسن - ما ستعانيه والدته من حُزن ولوعة عندما تكتشف كيف اختفى ابنها بتلك الطريقة المُفاجئة الغريبة ) ( ص3 ) .

وتأكيدًا لقيمة الحذر فى موضع تال من النص يقول ( ثم جلس " بهرام " على الأرض وأخـرج طبـلاً ضـرب عليــه ثـلاث ضربـات ، فظهـرت ثلاثـة جمـال ، هنـا تأكّــد حســن أن " بهـــــرام " ليــس

إلا ساحرًا يجب الحذر عند التعامل معه ) ( ص5 ) .

إن بهرام هو هذا الغريب الذى لم يحذر منه حسن بداية ولم يستمع لنصح أمه ، وها هو يتأكّد أنه ساحر يجب الحذر منه ، وبهرام هو نفس الاسم الذى ورد فى ألف ليلة وليلة ، فلم يغيره الكاتب ولم يتنصل من الإشارة الضمنية لعملية الاستلهام من التراث .

وهكذا نلاحظ أنّه تم التأكيد على قيمة ( الحذر ) منذ بدء النص وتكرّرت ثلاث مرات فى الصفحات الأولى من القصة .

ويتحوّل الحذر عبر الحكى التالى من قيمة مُجرّدة إلى مشاعر الخوف التى تؤثّر فى السلوك ، بالتالى ، ففى النص ( ارتجف حسن عندما سمع تلك الضحكة الخبيثة ؟ ) ( ص6 ) ، شعر حسن بالرهبة من اللهجة الغريبة التى تكلّم بها الساحر فعاد يسأل بصوت مُرتجف : ... الخ ) ( ص6 ) .

ثم يُشير النص إلى أهمية العدل فى الحياة كقيمة مُحبّبة ومُغرية عند القِسمة ، يقول على لسان بهرام الساحر : ( كما ينبغى أن تكون الثقة مُتبادلة بيننا فلا تُخْفِ عنى شيئًا مما ستجده فوق الجبل ، لأنّنا سنقتسمه فيما بيننا بالعدل) ( ص6 ) .

كما أكّدت أيضًا العبارة السابقة على أهمية وجوب ( الثقة المُتبادلة ) بين الأفراد عند التعامل ، غير أن هذا الموقف يعتبر موقفًا خادعًا من الساحر بهرام لحسن الطيّب ، إنه يغريه ( بعدالة توزيع الكنز ) الذى سيجده مثلاً ، وبالتالى يشترط عليه الثقة فى التعامل .

ثم يُثير النص قيمة " التفكير وحُسن التصرّف " أو " التعامل مع الموقف بذكاء " ولو من خلال الخيال ، إلا أنه أيضًا منطقى التنفيذ وليس هذا الخيال الجامح فى هذا الموقف بالذات وهذه القيمة تُعلّم الطفل كيف يُمكن استغلال إمكانيات البيئة فى مواجهة المواقف الصعبة وتفتّح ذهنه على إعمال العقل والتفكير ، يقول النص ( اختار الساحر جملاً ذبحه ، وسلخ جلده ودفن لحمه فى حُفرة قريبة ، ثم قال لحسن : الآن ستدخل فى هذا الجلد وتلتف به وأخيطه عليك ، فتظن طيور الرخ العظيمة الحجم التى تعيش فوق قمة الجبل أن بداخل الجلد كمية كبيرة من اللحم ، فإذا ما جاءت حملتك إلى أعشاشها فوق القمة ، وسأعطيك هذا السكين الصغير وعندما تشعر أن الطائر الذى رفعك وطار بك قد أنزلك فوق الصخور عليك أن تُسرع بشق الجلد والخروج منه ثم أَطْلِقْ صيحات عالية ، وحرّك ذراعيك حركات عشوائية ، فتخاف منك الطيور وتبتعد . ثم أعطاه بوقاً صغيرًا وقال له : وعليك بعدئذ أن تُنادينى من خلال هذا البوق ، لأخبرك بالخطوة التالية ) (ص7 ) .

إن الفقرة السابقة إنما تُدل على قيمة ( التفكير العلمى ) ذو الخطوات المُنظّمة والهادفة إلى تحقيق أهداف مُتتالية ، ذلك أن الحكى السابق أشار إلى مدى صعوبة تسلّق الجبل الذى يكمن الكنز فى قمّته ( مجازًا ) – أو ما يُحقّق الحصول على تحويل النحاس إلى ذهب – أن حسن أثار المُشكلة قبلاً وهى أول خطوة من خطوات التفكير العلمى أن يتم ( تحديد المُشكلة ) وعادة ما تتحدّد المُشكلة فى سؤال مطلوب الإجابة عليه ومع تحقّق الإجابة يكمن الهدف .

بمعنى أوضح أن المُشكلة التى تبدو لنا أثناء الحكى أن جبل السحاب العالى جدًّا صعب ؛ بل مُستحيل أن يتسلّقه أحد بطريقة عادية ، وقد بلور حسن هذه المُشكلة فى تساؤله للساحر : ( كيف نتمكّن من تسلّق هذا الجبل الذى يرتفع كأنّه جدار أملس ؟ ) ( ص6 ) .

وفى سؤال تالى سأل حسن ( لكنّك لم تذكر لى كيف نصعد أو ننزل ؟ ) ( ص6 ) .

بهذين السؤالين استطاع الكاتب بمهارة أن يُثير قضية أو قيمة ( التفكير العلمى ) دون أن يُشير إليها بلفظ صريح لكن مع طرح هذه الأسئلة ثم طرح الأجوبة التى أجابها الساحر لحسن يكون قد تم التحقّق من تأكيد هذه القيمة .

إن الإجابة على سؤالى حسن تضمّنت فيما بعد خطوات تليها خطوات فالجمل سيُذبح ، وللجمل لحم وجلد ، فأمّا اللحم فسيدفن وأمّا الجلد فهو المطلوب ليدخله حسن وهو يُعتبر فى ذاك الوقت – طبقًا لنظرية المُثير والاستجابة المعروفة فى علم النفس – المُثير لطائر الرخ فيأتى ويحمله ، ثم السكين كأداة مطلوبة لشق الجلد فيما بعد ، ثم الصيحات العالية لإبعاد الطيور الجارحة مع مُصاحبآها تحريك الذراعين بحركات عشوائية ، ثم النداء خلال البوق ليسمعه الساحر .. الخ .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل