المحتوى الرئيسى

" الربيع المغربي " القادم ! ( قراءة في النموذج المغربي للإصلاح السياسي والتغيير) بقلم: أ. سعيد الشريف ـ فلسطين

06/25 16:58

" الربيع المغربي " القادم !

( قراءة في النموذج المغربي للإصلاح السياسي والتغيير)

إعداد : أ. سعيد الشريف ـ فلسطين

shrif366@yahoo.fr

1 ـ "الشعب يريد إسقاط النظام..!"

يختزن هذا الشعار الرغبة الجامحة للشعوب العربية للتخلص من ظلم أنظمة الحكم الاستبدادية ومشتقاتها من طبقات استغلاليه جائرة، فاحشة الغنى، تعتمد على هذه الأنظمة الفاسدة في السرقة والفساد والاستغلال ..

ويعتبر هذا الشعار، أهم ما يميز عصر " الربيع العربي " الذي يعيشه عالمنا العربي اليوم..هذا العصر الذي انطلق مع الثامن من ديسمبر 2011، التاريخ الذي أشعل فيه بائع الفاكهة التونسي، محمد البوعزيزي، النار في جسده أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، المدينة الصغيرة، في الداخل التونسي احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية في المدينة عربة يبيع عليها الفاكهة والخضار، وصفعه من قبل احد أعوان الحرس البلدي أمام الملأ ورفض المسؤولين المحليين مقابلته لما أراد التشكي..

رحل محمد البوعزيزي محترقا بنار أشعلها في جسده ليشعل فتيل ثورة شعبية عارمة في شوارع تونس ومصر والبحرين واليمن وليبيا وسوريا ولتعيد للأمة العربية والإسلامية كرامتها المهدورة ولتعجل برحيل الطغاة مثل زين العابين بن علي وحسني مبارك ..وليترك العالم العربي من محيطه إلى خليجه يموج في ثورة وتغيير..

نعم، لقد التقطت الشعوب العربية الإشارة وسرعان ما تحولت الاحتجاجات الشعبية إلى حركة علمانية جماهيرية انطلقت في تونس تحت راية الديمقراطية الليبرالية ليتبناها شباب مصر و اليمن والبحرين والجزائر و ليبيا والمغرب وسوريا..

لقد أعاد هذا الحراك الشعبي الذي يشهده الشارع العربي إلى الظهور عنصرا فعالا بقي لزمن طويل صامتا، مغيبا عن المشهد السياسي، ليس فقط في الصراعات الإقليمية، بل أيضا وخصوصا في الشؤون السياسية والاجتماعي والاقتصادية التي تهمه ـ انه " الشعب العربي "

فاليافطات التي رفعها وما زال يرفعها مئات الآلاف بل الملايين من المتظاهرين في تونس والقاهرة وبغداد والرباط والمنامة وصنعاء ودمشق وبن غازي والجزائر العاصمة وغيرها من العواصم العربية تشهر إرادة " الشعب ".. هذا " الشعب " الذي كان يسمى إلى الآن وبازدراء بـ " الشارع العربي " ، " الشارع " الذي تحول إلى " شعب " على اختلاف طبقاته الاجتماعية وفئاته العمرية .. لقد تطايرت خرافة " خمول " الشعوب العربية وعجزها عن اعتماد طريق الديمقراطية ونزلت إلى الشارع بمطالب بسيطة وواضحة بعيدة عن أية رطانة إيديولوجية أو إغراء ديماغوجي ديني ... بلغة مجردة ومباشرة تنال مأربها في كل مكان.. نزلت لتطالب من جهة بالحرية السياسية وبالتناوب على السلطة ووضع حد للفساد وتفكيك الأجهزة الأمنية العفنة ومن جهة أخرى نزلت لتطالب بالكرامة الاجتماعية وبالتالي بفرص عمل وأجور لائقة (1)

خرج هذا الشعب ليصرخ بأعلى صوته " الشعب يريد إسقاط النظام " و ليستعيد حريته وإرادته التي سلبوها منه عقودا بل قرونا طويلة...

2 ـ جذور" الربيع العربي ":

1 ـ العامل الاقتصادي – الاجتماعي:

أ ـ فقاعة " الازدهار الاقتصادي ":

ينبغي القول أن الشارع العربي كان يغلي منذ عدة سنوات مع تفاقم الوضع المعيشي لقطاعات واسعة من الشعب بفعل تطبيقات " الليبرالية الجديدة " التي تتالت منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي ورفع الدعم الحكومي عن المواد الاستهلاكية الأساسية وإدخال رأس المال الخارجي مستفيدا من رخص اليد العاملة المحلية لتحقيق أرباح فاحشة، متناغما مع القطاع الطفيلي والكومبرادوري من الرأسمال المحلي والذي تنامي حجمه ودوره السياسي منذ بداية السبعينات الماضية مستفيدا من عاملين اقتصاديين أساسيين:

* – " الريع النفطي " الذي تضاعف بقوة اثر الارتفاع الكبير الذي شهدنه أسعار النفط الخام عام 1973 والذي كان جزء كبير من إيراداته وبالتواطؤ مع الشركات المتعددة الجنسيات الكبرى يغذي صناديق العائلات الحاكمة..(2)

* – العمولات الكبيرة التي كانت تستحوذ عليها هذه العائلات الحاكمة من وراء العقود العامة، المدنية منها والعسكرية..

لقد ارتمت استثمارات أصحاب المليارات المستفيدين من " الريع النفطي " ومن السمسرة في العقود العامة على قطاعات اقتصادية ذات قيمة مضافة ضئيلة ولكن دارة ربحية عالية جدا ولا تتضمن أية مخاطر مالية أهمها :

سوق العقارات ـ حيث انطلقت جميع أنظمة السلطة في الوطن العربي في عمليات عقارية ضخمة هدفت إلى التغطية على المزج بين المصالح العامة والخاصة.. هكذا تم تصنيف أراضي ذات منفعة عامة ليصار إلى بيعها لمقاولين بأسعار زهيدة ..

سوق الهاتف الخلوي ـ وصول تقنية الهاتف الخلوي نهاية التسعينات والذي ترافق مع أول موجة لعمليات الخصخصة الكبرى في الخدمات العامة والذي كان ومازال يذر أرباحا خيالية

* ـ القطاع المصرفي ـ شكل هذا القطاع محور التحكم في تلك الآليات.. فهو لم يسمح فقط بتبييض الريوع المكتسبة، بل أمن أيضا إعادة تدويرها في صفقات عقارية وتجارية حتى أنه تحول أداة في يد السلطة لاستتباع وتطويع رجال الأعمال المحليين عبر آليات الإقراض.(3)

ب ـ الوجه الآخر لـ " الفقاعة الاقتصادية ":

في الوقت الذي كانت فيه الأرقام الاقتصادية الإجمالية في كثير من الاقتصاديات العربية تتحدث عن تنام ملحوظ في معدلات النمو وحجم الناتج الداخلي والإجمالي خلال سنوات العقد الماضي، وتتحدث عن ما حققته هذه الدول من إصلاحات بنيوية في اقتصادياتها، فان هذا النمو في الناتج العام لم يكن ملموسا في حياة المواطن العربي البسيط والقطاعات الشعبية والواسعة..فالواقع الاجتماعي والاقتصادي للشعب كان مختلفا تماما عما كانت تروج له الأنظمة الحاكمة..فقد تكدست ثروات مهولة في جيوب قلة من المستثمرين المحليين الطفيليين الذين فضلوا الاستثمار في قطاعات ذات قيمة مضافة ضئيلة وبقي الاستثمار في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية مثل المعلوماتية والالكترونيات والأبحاث والصناعات الطبية والطاقة البديلة والبيئة شبه منعدم ..

*ـ إضعاف دور الدولة وخدماتها العامة، حيث تردت كافة الخدمات العامة وهو ما تشير إليه مختلف تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول التنمية البشرية وذلك لصالح خصخصة زائفة..

* ـ شهدت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة نسبا عالية من البطالة، خاصة بين الشباب بمن فيهم حملة الشهادات الجامعية، والتي تخطت بنسبة كبيرة المعدلات العالمية.. فقد قدر رئيس البنك الدولي روبيرت زوليك، في خطابه أمام القمة الاقتصادية العربية التي انعقدت في الكويت في الشهر الأول من العام 2009، بان نسبة البطالة في المنطقة العربية وصلت في مطلع ذلك العام إلى حوالي 14%من قوة العمل في مجمل المنطقة، لتشكل أكثر من ضعف النسبة العالمية آنذاك، ولتصبح الأعلى بين كل مناطق العالم باستثناء إفريقيا السوداء، جنوب الصحراء الكبرى، في حين بلغت نسبة البطالة بين الشبان أكثر من 30%، وهي كذلك أعلى بكثير من النسبة العالمية.(4)

جدير بالذكر هنا أن ثلث قوة العمل في وطننا العربي مستخدمة في القطاع غير النظامي أي في الأعمال الصغيرة علما بأن أصحاب الأحوال الهشة هؤلاء لا يحتسبون ضمن العاطلين عن العمل ، أكثر من ذلك فان الثلث الآخر في القطاع النظامي يتكون أساسا إما من عاملين على حسابهم الخاص أو من أجراء، لكن من دون عقود عمل وضمان اجتماعي ونظام تقاعدي ومن دون حقوق نقابية فعلية .. (5)

* ـ تفاقم الوضع المعيشي لقطاعات واسعة من الشعوب العربية مع انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية التي انعكست سلبا على قطاعات مهمة هامة اقتصاديات الوطن العربي حيث تراجعت حركة السياحة الخارجية وانخفض الطلب العالمي على السلع المنتجة محليا بما في ذلك المواد الخام والمنتجات الزراعية نتيجة تراجع الطلب العالمي على السلع المختلفة بالإضافة إلى تعثر التحويلات الخارجية من اليد العاملة في دول البترول أوفي البلدان الغربية وهي كلها عوامل لعبت دورا مركزيا في توفير شروط ما أصبحنا نطلق عليه ب " الربيع العربي "

2 ـ العامل السياسي ـ الحقوقي:

لم يكن العامل الاقتصادي ـ الاجتماعي هو العنصر الوحيد في الوصول إلى هذا الانفجار، فقد تراكمت عوامل أخرى، سياسية وحقوقية، ساهمت إلى حد كبير في زيادة الاحتقان الشعبي وتوفير شروط الانفجار الكبير، أهمها ـ الطابع الاستبدادي للسلطة..

ويرجع الأكاديمي والكاتب الفلسطيني ، د.أسعد عبد الرحمن، السبب الرئيسي للأزمات الخطيرة التي يمر بها عالمنا العربي والإسلامي والتي حالت دون وصوله إلى الحد الأدنى من تطلعاته في التنمية والوحدة والحرية على مدار معظم تاريخه السياسي الطويل إلى ممارسة أنظمة شمولية مستبدة وصلت إلى الحكم بقوة السلاح و/أو المال، وتسلطت على الشعوب باللاشرعية، وحافظت على طغيانها ووجودها بالعنف والقمع والاستبداد .(6)

فالاستبداد ، كما يرى الكواكبي، (بأشكاله المختلفة: الديني والسياسي والاقتصادي) هو أساس جميع الفساد وأن عاقبته لا تكون إلا الأسوأ، مثلما يرى في الاستبداد أكبر مشكلة يعانيها الشرق. ويعرف الكواكبي الاستبداد بقوله "الاستبداد في اللغة بمعنى اكتفاء الشخص برأيه في موضوع يحتاج إلى الشورى، لكن هذه اللفظة عند ذكرها بالصيغة المطلقة تفهم باستبداد الحكام. أما في اصطلاح أهل السياسة فهي تعني تصرف فرد أو جماعة بحقوق شعب دون الخوف من المؤاخذة والاستجواب". ويرى أن الاستبداد هو "من صفات الحاكم المنفرد والمطلق العنان، الذي يتصرف في أمور رعيته بإرادته دون خوف من المحاسبة أو العقاب". (7)

ومن جهته يصف أفلاطون المستبد بقوله "المستبد يستولي على السلطة بالقوة ويمارسها بالعنف، بعد ذلك يسعى أولا إلى التخلص من أخطر خصومه، ويكثر من الوعود، ويبدأ بتقسيم الأراضي مما يجعله شعبيا ومحبوبا، وهو ما ينفك يفتعل حروبا ليظل الشعب بحاجة دائمة إلى قائد. وهذه الحروب تنهك كاهل المواطنين من خلال ما يدفعونه من ضرائب باهظة، فيضطرون إلى زيادة ساعات العمل مما لا يبقي لديهم وقتا للتآمر على المستبد. والحرب تساعده على التخلص من معارضي سياسته، حيث يقدمهم إلى الصفوف الأولى في المعركة. إن ذلك كله يدعو إلى استياء الجماهير، حتى أعوانه الذين دفعوه إلى السلطة، وهنا لا يجد أمامه إلا القضاء على المعارضة بما يملكه من وسائل العنف والقوة، فيزيد من تسلحه، ومن حرسه الخاص من المرتزقة، مما يتطلب نفقات طائلة، فيلجأ المستبد إلى مزيد من نهب خزائن الشعب الذي يدرك بعد فوات الأوان أنه وضع في حالة استعباد مسيس. فحكم القوة والإجرام وضيق الحظيرة وقلة الصبر عن الآراء المخالفة طبيعة ملازمة للحكومة المستبدة، ولا تلبث أن تنتشر هذه الطبائع في الدولة كلها وتعم العلاقات الاستبدادية المجتمع بهيئاته جميعها". (8)

لا يختلف اثنين على أن أنظمة الحكم المستبدة في وطننا العربي قد نجحت وعلى امتداد عهود الاستقلال وحتى الآن، في تحويل مجتمعاتنا العربية إلى مجتمعات ميتة سياسيا وفقيرة اجتماعية واقتصاديا نتيجة ممارسات هذه الأنظمة السلطوية للقمع الشديد ضد الشارع العربي وخاصة ضد طلائعه المثقفة مستغلة في ذلك بعبع " الخطر الصهيوني" وأحداث ال11 من سبتمبر الإرهابية وذلك في سعيها لتطويع شعوبها و " تدجين " قواه السياسية..

فقد عمدت هذه الأنظمة السلطوية في سعيها لقمع شعوبها وحرياتها الأساسية من جهة وتعطيل أية مطالب بإصلاح سياسي أو اقتصادي من جهة ثانية إلى سن قوانين استثنائية تستند إلى حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية المعلنة نتيجة حالة الحرب مع إسرائيل أو تعرض الأمن الداخلي والخارجي إلى الخطر. كما استغلت هذه الأنظمة أحداث ال11 من سبتمبر مبررا إضافيا لتقييد الحريات العامة وقد تجلى ذلك في : ـ

ـ استخدام أساليب ممنهجة للتضييق على المعارضة السياسية ..

ـ منع كافة أشكال التنظيم السياسي والنقابي والمهني المستقل، أو التجمعات السلمية مثل الإضرابات والمظاهرات السلمية ( باستثناء دول عربية قليلة )..

ـ انتهاك حقوق الإنسان وممارسة التعذيب..

ـ انتهاك حرية الصحافة واستخدام الانترنت والتضييق على المدونين

ـ إخضاع وسائل الإعلام والنشر المرئي والمسموع والمكتوب، والمؤسسات الصحفية لرقابة ووصاية حكومية صارمة..

ـ مراقبة وتكميم النشاط الثقافي والفكري والاجتماعي المستقل، بما في ذلك المنتديات الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني وتقييد الوصول إلى شبكة الانترنت في الداخل، أو الاشتراك في مثل هذه الفعاليات والأنشطة في الخارج..

ـ انتهاك حقوق الجماعات القومية والأقليات الدينية والمذهبية ..

لقد بقي الشعب العربي وعلى مدار معظم تاريخه السياسي الطويل، من أقصى شرقه إلى أقصى مغربه يعاني من ممارسات أنظمة استبدادية على كافة مناحي حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. ويبقى السؤال: لماذا هذا الصمت الطويل، القاتل المطبق على الشعوب العربية إزاء هذه الانتهاكات لحقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحالة اللامبالاة اتجاها ؟

فكانت الاحتجاجات التي عمت معظم العواصم العربية ونجحت في إسقاط نظام زين العابدين بن علي وأعادت مصر إلى الحضن العربي بسقوط نظام مبارك ، خير جواب على سؤالنا ودليل على عودة الإحساس بالذات والكرامة للشارع العربي ..!


3 ـ مسؤولية المنتظم الدولي :

لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الرئيسي الذي لعبه البنك الدولي والمؤسسات النقدية العالمية في الوصول بالوضع الاقتصادي والاجتماعي العربي إلى هذا القدر من التردي .. فقد أوصلت نصائح توصيات صندوق النقد الدولي المقدمة للبلدان العربية طوال العقدين الماضيين ونيف في مجال تطبيقات " الليبرالية الجديدة " قطاعات متزايدة من الشعب العربي إلى حالة من الفقر والفاقة ترافقت مع افتقار هذه الأنظمة إلى شبكة حماية اجتماعية..

فقد زادت نسبة الذين يعانون من نقص في التغذية في المنطقة العربية منذ العامين 1990و 2004 من 20 مليون إلى 26 مليونا ، حسب إحصاءات منظمة الغذاء والزراعة العالمية، وهو رقم ارتفع في السنوات الأخيرة مع ارتفاع أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية في الأسواق العالمية واستمرار عدد من الحكومات العربية في رفع الدعم عن هذه لمواد وغيرها من المواد الاستهلاكية الأساسية ..ووصلت نسب الفقر في المنطقة العربية بين حوالي 30% لبلد مثل لبنان إلى 60% لبلد مثل اليمن، في حين كانت التقديرات أن هذه النسبة في مصر تجاوزت ال40% ..(9)

لم يكن نوعية تطور الاقتصاديات الحقيقية لهذه الأنظمة الحاكمة أبدا موضع اهتمام البنك الدولي والمؤسسات النقدية الدولية.. فطالما كان بإمكان الشركات المتعددة الجنسيات الكبرى عقد صفقات مربحة ضمن إطار التحرر التدريجي للأنظمة الاقتصادية العربية الجاري منذ ثلاثة عقود ونيف وطالما كان بإمكان الحكام المحليين الاستمرار في تكديس الثروات الضخمة التي تعود بالأرباح على صناعة الكماليات في ارويا وأمريكا وغيرها كما لسوق العقارات في العواصم العالمية الكبرى، فانه لم يكن هناك من داع للتذمر.. فبعد أن اعتمدت هذه الأنظمة مبادئ " الليبرالية الجديدة " أصبح " رجال الأعمال " العرب الجدد، أصحاب المليارات، أفضل نموذج ل " تحديث " الأنظمة الاقتصادية العربية ..(10)

أكثر من هذا، فقد عملت هذه المؤسسات النقدية العالمية ومن يقف وراءها من الدول الكبرى على توفير الغطاء والحماية لهذه الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، وتقديم كل أشكال الدعم المادي والسياسي لضمان تبعية هذه الأنظمة التامة بشكلها الفج والمفضوح، على حساب كل المبادئ والشعارات المرفوعة في الغرب من ديمقراطية وحرية للشعوب في تقرير مصيرها وعدالة اجتماعية وحقوق الإنسان في الحرية والكرامة..

3 ـ المغرب و" الانفجار الكبير "

1 ـ إجراءات تركيز أسس دولة ديمقراطية وحداثية:

هل المغرب في منأى مما يحدث في محيطه العربي؟

إذا قارنا المغرب بما يجري في محيطه العربي، نجد أن المغرب كانت له الجرأة منذ عشرة سنوات للقيام بإصلاحات جذرية كبيرة مست مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للبلاد..فقد اتسمت العشرية الأولى من عهد محمد السادس بتحقيق انجازات هامة لفائدة النهوض بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وتوفير الحياة الكريمة للمواطن المغربي وهي كلها انجازات رامت تركيز أسس دولة ديمقراطية وحداثية وبالتالي فتحت آمال عريضة أمام تطلعات الشعب المغربي ..

إن الإحاطة ببعض القرارات السياسية والإصلاحية التي اتخذها العاهل المغربي في هذا الاتجاه على مدى العشر سنوات الأولى من حكمه لتؤكد لنا بما لا يدع مجالا للتأويل انخراط المغرب تحت قيادة عاهله في مسلسل إصلاحي عميق شمل مختلف أوجه الحياة العامة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : ـ

أ ـ على مستوى حقوق الإنسان:

بمبادرة من العاهل المغربي تم تشكيل " هيئة الإنصاف والمصالحة " التي قامت بالرجوع إلى ماضي الخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب ما بين عامي 1956 ، تاريخ استقلال المغرب، والعام 1999، تاريخ تربع محمد السادس على عرش أسلافه وقد عهدت رئاسة هذه اللجنة إلى الناشط الحقوقي الراحل والذي كان أحد السجناء السياسيين إدريس بن زكري..

الهيئة قامت بتنظيم جلسات استماع لضحايا الاغتيال السياسي والاعتقالات التعسفية والتعذيب من طرف الأجهزة الأمنية وتقصي حالات الاختفاء للأشخاص في العهد السابق وتم جبر الضرر الجماعي والفردي، وقامت الدولة بنوع من الاعتذار الضمني..بل إن الهيئة، وبعد سنتين من العمل المتواصل، رفعت توصياتها إلى العاهل المغربي الذي أمر بالنشر الفوري للتقرير النهائي وكلف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالسهر على متابعة تنفيذ توصيات الهيئة..

وهكذا تم تقديم تعويض مالي والتكفل الطبي لحوالي 10 الآف ضحية تم الإقرار بها، كما تم تنفيذ برنامج جبر الضرر الجماعي لفائدة الجهات والمناطق التي تعرضت لهذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

ب ـ في مجال حقوق المرأة :

على الرغم من معارضة الأوساط الاجتماعية المحافظة وبإسرار من العاهل المغربي، تم إقرار مدونة الأسرة التي منحت المرأة المغربية مجموعة من الحقوق في إطار العلاقات الزوجية ، فلم تعد الطاعة العمياء مفروضة على المرأة تجاه الرجل وأُلغيت الوصاية على المرأة عند عقد الزواج و أصبح للمرأة الحق في طلب الطلاق مثلها في ذلك مثل الرجل كما أصبح من الممكن فرض إجراء فحص الأبوّة على الرجال، ورُفع سن زواج النساء إلى ثمانية عشر عاما وتمكينها من منح الجنسية المغربية لأبنائها من زوج أجنبي..

ج ـ على الصعيد الاجتماعي :

في إطار اهتمامه بالفئات المحرومة من الشعب المغربي، اشرف العاهل المغربي على إطلاق مبادرة التنمية البشرية بهدف تقليص معضلة الفقر التي تنخر المجتمع المغربي وهي المبادرة التي انخرطت فيها جميع مكونات الشعب المغربي، حكومة وشعبا وجمعيات وسلطات..

وتقوم فكرة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على توفير الدعم المالي من طرف الدولة والجماعات المحلية (البلديات والمجالس القروية المنتخبة) لإنجاز مشاريع تنموية تقترحها جمعيات المجتمع المدني، وتساهم هيئات دولية وأوروبية في دعمها. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن المبادرة همت حوالي 667 جماعة محلية، منها 403 جماعة قروية، و264 حي حضري.

وقد رصدت للمبادرة أزيد من 13 مليار درهم، 60 % من تمويل المبادرة و40 % من باقي الشركاء، واستفاد منها حوالي 5 مليون شخص وتم خلق 40 ألف منصب شغل .

ه ـ على الصعيد الاقتصادي :

تمكن المغرب خلال العشرية الأولى من حكم محمد السادس من تدشين أوراش كبرى للتنمية المستدامة وذلك من خلال تأهيل مجاله العمراني حضاريا والتعجيل بتحديث كل البنيات التحتية القائمة مع إحداث أخرى على صعيد مختلف ربوع الوطن، غير مستثنية القرى والمداشر النائية، وذلك بهدف التأسيس لاقتصاد قوي يضمن ولوج المغرب مرحلة الألفية الثالثة بتحدياتها.

ه ـ على الصعيد السياسي، عملت الدولة على:

ـ تعزيز هامش الحريات السياسية،

ـ إشراك الإسلاميين في العمل السياسي المنظم في إطار الشرعية،

ـ مواكبة التناوب التوافقي،

ـ فتح المجال أمام حرية التعبير والتظاهر وتمكين الصحافة المغربية من حرية غير ،مسبوقة..

وـ على صعيد الوحدة الترابية :

شكلت مبادر العاهل المغربي المتعلقة بمنح سكان الأقاليم الجنوبية من المملكة المغربية حكما ذاتيا موسعا مع صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم المحلية تحت السيادة المغربية فرصة تاريخية لتسوية هذا النزاع المزمن وتجاوز سنوات العداء... فالمقترح المغربي يسمح للصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف العودة إلى وطنهم و الانخراط في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبالتالي إنهاء نزاع دام أكثر من ثلاثة عقود بدون حل وترتبت عنه مآسي إنسانية كبيرة لا تزال فصولها مستمرة حتى يومنا هذا، ناهيك عن استنزاف ثروات شعوب هذه المنطقة..

زـ تكريس مبدأ التعددية الثقافية التي يزخر بها المغرب:

قيام العاهل المغرب محمد السادس بإعادة الاعتبار للأمازيغية كمكون أساسي للثقافة الوطنية وتراث ثقافي زاخر شاهد على حضورها في كل معالم التاريخ والحضارة المغربية وذلك من خلال إعلان جلالته عن إنشاء " المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية " في خطاب مخصص كله للأمازيغية ( أول خطاب ملكي يخصص كله للأمازيغية ) ألقاه من موقع أجدير بإقليم خنيفرة المعروفة بنضالها التاريخي وبتراثها الأمازيغي العريق وكان ذلك يوم 17/10/2001 .. و أكد الملك محمد السادس على أن خدمة الأمازيغية مسؤولية وطنية وعلى عاتق كل المغاربة.

2 ـ تراجعات وانتكاسات الحقل الاجتماعي :

إذن، يمكننا القول بأن درجة الاحتقان الاجتماعي والسياسي في المغرب تختلف كثيرا عما هو الحال عليه في بلدان عربية أخرى. ولكن هل يعني هذا أن المغرب في مأمن عما يجري في البلاد العربية من انتفاضات شعبية هزت أركان أنظمة حكم استبدادية عمرت في سدة الحكم لعقود عدة..؟

يخطئ من يعتقد ذلك، فالإحباط الذي سيطر على الشارع العربي من مشرقه حتى مغربه هو نفس الإحباط الذي بعيشه الشارع المغربي، من شماله إلى جنوبه، وان كان هذا الإحباط على الساحة المغربية ليس موجها ضد هرم السلطة، حيث لا يوجد في المغرب " زعيم " مستبد بالحكم كما كان عليه الحال في تونس و مصر أو كما هو عليه الحال حاليا في اليمن و سوريا و ليبيا وفي كثير غيرها من الدول العربية . فالعاهل المغربي وان كان يحتفظ بسلطات كبيرة في يده فانه يقتسم بعضا منها مع الفاعلين السياسيين..لكن هذا الإحباط موجه في الأساس ضد حكومات التناوب التي خيبت آمال وانتظارات شرائح عريضة من المجتمع المغربي خصوصا في ميادين الصحة والتعليم والإصلاح القضائي والسكن والأمن..

إن مراجعة سريعة لتقرير التنمية البشرية لسنة 2010 و لمختلف القيم المكونة لمؤشر التنمية البشرية ومقارنتها بنفس المؤشرات لدى بعض الدول المجاورة، تجعلنا ندرك أن تأخر المغرب في سلم التنمية البشرية يعود لتخلف قيم مؤشرات الصحة والتعليم ضمن مؤشرات التنمية البشرية.

هكذا وبحسب التقرير فان المغرب احتل الرتبة 114 من بين 165 دولة، واحتل الرتبة 12 عربيا من بين 16 دولة عربية وصنف التقرير المغرب في آخر ترتيب دول المغرب العربي. وصنف المغرب ضمن البلدان ذات التنمية البشرية المتوسطة ..

ويأتي هذا الترتيب الجديد للمغرب بعدما تراجع بـ 4 درجات في التقرير الدولي حول التنمية البشرية لسنة 2009 على الصعيد العالمي، ليستقر في الرتبة 130 من بين 182 دولة، بعدما كان يحتل المرتبة 126 في تقرير سنتي، 2008/2007 ..

المغرب في التقارير العالمية هو صاحب أسوء نظام تعليمي في العالم العربي. فقد انتقد تقرير للبنك الدولي صدر سنة 2007 حول " التعليم العربي " بشدة المغرب لإخفاقه في تطبيق إصلاحات شاملة في مجال التعليم وأشار التقرير إلى غياب تقييم منهجي للطلبة وارتفاع مهول في نسب الهدر المدرسي وضعف الميزانيات المخصصة للمدارس وعجز المؤسسات التعليمية عن تحضير الطلبة لسوق العمل..

وقد تواترت التقارير التي تؤكد تراجع المغرب على مستوى نظامه التعليمي، فقد صنف تقرير 'اليونسكو حول التعليم المغرب في أواخر ترتيب الدول التي شملها التقرير وضمن البلدان الخمسة الأكثر تخلفا على مستوى نظامها التعليمي إلى جانب كل من موريتانيا واليمن وجيبوتي والعراق.

وقد كشف تقرير صدر أخيرا عن تراجع كبير في مجال جودة النظام التربوي بالمغرب، إذ احتل الرتبة 112 من أصل 133 دولة، فيما تراجعت جودة التعليم الابتدائي إلى الرتبة 99 والتعليم الثانوي إلى الرتبة. 85 وسجل التقرير السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس حول التنافسية الشاملة للاقتصاد 2009 - 2010 تقدم المغرب على مستوى الإنفاق على التعليم إذ احتل الرتبة, 15 في حين حقق تقدما طفيفا على مستوى تشجيع التمدرس في التعليم الابتدائي. كما أن ما يزيد عن 50% من الأميين يرتعون في مجتمعه أغلبهم من النساء..

راكم الملف الاجتماعي، وعلى رأسه قطاع الصحة تأخرا كبيرا، رغم أنه يعتبر من أولويات مطالب المواطنين .. فالصحة بجانب التعليم والسكن والتشغيل والقضاء وحقوق التعبير تشكل حاليا أساس المفهوم الجديد للسلطة بتقريب هذه الخدمات الاجتماعية إلى المواطنين. إلا أنه مع الأسف الشديد، وكما يرى الصحفي المغربي إدريس ولد القابلة في مقال له " الصحة بالمغرب...إلى أين ؟" " إن كل الحكومات المتعاقبة على امتداد سنوات إلى الآن تعاملت مع هذه القطاعات بشكل لا يمت بصلة بأي تسيير عقلاني، وبسوء تدبير لم يسبق له مثيل ". ويضيف قائلا: " كيف يمكن التصدي لمشاكل الصحة والمغرب لا يتوفر على إستراتيجية لوضع منظومة صحية تتماشى وما ينتظره المغاربة منذ زمن بعيد وإمكانيات المغرب الفعلية ؟" .

".. فأكثر من 85 % من المغاربة هم غير مؤمنين طبيا كما أن نسبة الوفيات لا زالت مهمة نظرا لانعدام العناية بصحة الأم والطفل وتصل هذه النسبة إلى 10 في الألف، ولازالت نسبة وفيات الأطفال مهمة. وعدد المعاقين في المغرب يفوق 300.000 ، 50 % منهم إعاقتهم ناتجة عن الولادة العسيرة بسبب انعدام التأطير الطبي والصحي، ولازالت 70 % من الأمراض بالمغرب ذات علاقة بالجراثيم والمكروبات (السل، المينانجيت، الإسهال الحاد، أمراض تعفنية..) " .(11)

وهذا يعتبر تقصيرا مفضوحا في حفظ حق من حقوق الإنسان الأساسية ـ العناية بالصحة ..

وصنف المغرب إلى جانب إثيوبيا وغواتيمالا من بين الدول التي تعرف معدلات كبيرة للفقر إذ تبلغ نسبة الفقر بالمغرب حوالي 28% ..

وتأتي الرشوة على رأس مظاهر الفساد في البلاد، إذ تصنف المنظمات الدولية المغرب في مرتبة متقدمة من حيث تفشي هذا الداء في إداراته ومؤسساته.

فقد احتل المغرب المرتبة 85 عالميا في مؤشر إدراك الرشوة لسنة 2010.. وقد تميزت تغطية مؤشر الرشوة للعقد الأخير بتراجع المغرب ب 40 رتبة من المركز 45 سنة 1999 إلى 85 سنة 2010..

فالرشوة ، كما جاء في تقرير للصحفي المغربي علي انوزلا ، تأتي على رأس مظاهر الفساد في البلاد، فحسب " الهيئة الوطنية لحماية المال العام " بالمغرب، وهي هيئة مستقلة، ونسبة إلى تقرير أمريكي، فإن حوالي 854 مليار دولار قد تم تهريبها من القارة السمراء نحو الخارج بأشكال مختلفة، طوال المدة الفاصلة بين 1971 و2008، ويتصدر المغرب قائمة الدول المغاربية التي تم استنزاف ثرواتها النقدية إلى أوربا بالتحديد ( 34 ألف مليار سنتيم )، أي ما يعادل 30 مليار دولار تسببت في فقدان المغرب ما لا يقل عن 56 % من ناتجه الداخلي الإجمالي الخام..

هذا وقد أظهرت دراسات أجريت مؤخرا أن استشراء الفساد في المغرب يفقد الاقتصاد الوطني مليار ونصف مليار دولار سنويا بسبب الرشوة ، أي 2 % من الناتج الداخلي الخام وهو ما يكلِّـف بلدا مثل المغرب خسارة تُقدر بنقطتيْـن إلى ثلاث نقاط من نمُـوه، الذي لا يتعدى في أحسن الأعوام 5 في المائة.

هذا هو المغرب في أرقام التقارير الدولية والتقارير المحلية، وهي أرقام جاءت لتؤكد سوء تدبير حكومات التناوب التي تعاقبت على المغرب ولتؤكد بما لا يدع الشك أن الفساد ينمو وبشكل كبير وسريع من سنة إلى أخري في دواليب الإدارة المغربية الشيء الذي ينعكس سلبا على اقتصاد الوطن ويؤثر سلبا على النمو الاقتصادي وبالتالي تراجع الاستثمارات الخارجية، وهو ما أكده التقرير الأخير للبنك الدولي حول مناخ الاستثمار بالدول لسنة 2010 والذي وضع المغرب في الرتبة ال128 وراء تونس التي احتلت المرتبة 69 ومصر في الرتبة 106..

3ـ تراجعات وانتكاسات الحقل السياسي والحقوقي :

شهدت السنوات الأولى من حكم العاهل المغربي محمد السادس تفجيرات 16 مايو الإرهابية التي ضربت أماكن مختلفة من العاصمة الاقتصادية المغربية الدار البيضاء وهو ما انعكس سلبا على مسلسل الإصلاحات السياسية والحقوقية الذي دشنه العهد الجديد منذ تولي محمد السادس عرش أسلافه.

فبعد أن حقق المغرب العديد من المكاسب في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان وظن الجميع أن المغرب يسير في اتجاه تحديث الفضاء السياسي ودمقرطته، طرأت مستجدات في الاتجاه المعاكس ودخل المغرب السياسي والحقوقي في لحظة الجمود، مترافقة مع سقوط الاستثناء من العنف والتهديد الإرهابيين.

وهكذا عرف المغرب تراجعا كبيرا في مجال حقوق الإنسان مع إقرار قانون الإرهاب، الذي جاء بمقتضيات تمس حرية التعبير وتمت العودة من جديد لأساليب القمع والقهر والمنع الذي ألفها المغرب في الماضي..

كما تم التراجع عن هامش حرية الصحافة التي منحها العهد الجديد للصحافة حيث تم تسجيل العديد من عمليات الاعتقال ومحاكمة للصحفيين وهو ما جعل العديد من المنظمات الصحفية والحقوقية العالمية والإقليمية والمحلية ترفع صوتها للتنديد بهذه الخروقات لأبسط حقوق التعبير والرأي..

وعلى الرغم من مباشرة المغرب لعملية واسعة لإصلاح الحقل الديني، فقد عاد الإرهاب ، وبعد غياب أربعة سنوات، ليضرب المغرب مرة أخرى حيث سجلت ثلاثة عمليات تفجير انتحارية في الفترة ما بين 11مارس و14 ابريل 2007 نفذها شبان قدموا من أحياء مهمشة ليؤكد فشل سياسة الدولة في سياسة التوزيع العادل للثروة بين المواطنين.

على الصعيد السياسي، عرف المغرب سنة 2003 انتخابات عامة شهد الجميع لها بالشفافية والنزاهة، إلا أن ذلك لم يسهم في تأهيل الممارسة السياسية، حيث انه ورغم حصول حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على المرتبة الأولى، فقد عين الملك وزيرا أول تقنوقراطي هو السيد إدريس جطو الذي خلف أول وزير أول لحكومة التناوب وشكل ذلك تراجعا عن المنهجية الديمقراطية..

أما المسلسل الانتخابي 2007 ـ 2009، فقد عرف ظهور فاعل سياسي جديد بقيادة الوزير المنتدب في الداخلية السابق، السيد فؤاد الهمة. وإذا كان هذا الوافد الجديد على المشهد الحزبي المغربي قد رفع بدايات تشكله شعار تشبيب النخبة السياسية بإدماج نخب جديدة، فقد اتضح بعد ذلك أن هذا الحزب اكتفى بمجرد تجميع نخب تقليدية، جمعها عن طريق ظاهرة الترحال السياسي مع جلب نخب جديدة لكن بمعدلات ضعيفة مقارنة مع الشعار الذي سبق أن تبناه.(12)

أما فيما يتعلق ببرنامجه السياسي، فقد تبنى بشكل واضح المشروع الحداثي الذي أعلن عنه العاهل المغربي وهو مشروع استلهمت منه جميع الأحزاب السياسية برامجها الانتخابية..

وبالرغم من أن الوافد الجديد لم يأت بشئ جديد، لا من حيث النخبة ولا من حيث البرنامج السياسي ولا طريقة الاشتغال، فقد استطاع حزب " الأصالة والمعاصرة " اكتساح المشهد السياسي في فترة وجيزة بعد تأسيسه.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن انتخابات 7 سبتمبر التشريعية تخللها الكثير من التجاوزات الخطيرة التي مست في جوهر نزاهة العملية الانتخابية، وترافق ذلك مع عزوف واضح للشعب المغربي عن المشاركة في العملية الانتخابية، وهي مشاركة لم تتجاوز 37 % من مجموع الناخبين المسجلين في السجل الانتخابي حسب إحصائيات وزارة الداخلية المغربية وهو الرقم الذي شكك فيه الفاعلون الجمعاويون والمهتمون بالشأن السياسي المغربي معتبرين أن هذه المشاركة لم تتجاوز 17 %..(13)

وقد تلى هذه الانتخابات التشريعية " مسرحية " تشكيل الحكومة على أساس المعطيات السابق ذكرها انطلاقا من احترام " المنهجية الديمقراطية ".. فتمخضت الاستشارات عن تشكيل حكومة أهم ما ميزها أن الوزير الأول المعني باختيار فاعليها وتقديمها رسميا، كان آخر من يعلم بتشكيلها..

4 ـ خطاب ال9 مارس ـ تفعيل متطلبات الإصلاح الشامل :

لم ترق الأوراش الإصلاحية الكبرى التي عمات الدولة المغربية على تدشينها إلى مستوى تطلعات المجتمع المغربي وظل تأثيرها محدودا على أوضاعه المزرية، ذلك أنها لم تجب سوى جزئيا على مشكل هو في عمقه مؤسساتي ودستوري وسياسي.

فقد ابرز الحراك السياسي والاجتماعي في المغرب والمواكب لما يجري على الساحة العربية على أن مطلب الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والدستورية أضحى أولى الأولويات لتدبير المرحلة التاريخية الراهنة واستئناف الانتقال الديمقراطي.

وفي هذا الإطار تطرح أولوية الإصلاح السياسي أم الدستوري.. هل تكون الأولوية للإصلاح السياسي أم أن المدخل إلي أي إصلاح ناجع يجب أن يكون دستوريا ؟

هناك وجهتي نظر متباينة بين الفاعلين السياسيين والجمعويين والباحثين في هذا الخصوص :

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل