المحتوى الرئيسى

الشاهد اللبناني العربي

06/25 09:08

ساطع نور الدين

لم يعرف ما اذا كان الاديب الكبير أمين معلوف الذي انضم امس الى الاكاديمية الفرنسية تخلى عن توقه المعلن، والظاهر في روائعه الروائية الى تكوين هوية كونية عابرة للقوميات والحضارات والثقافات، وانكفأ الى الانخراط في ذلك التقليد الشائع لدى كل من كتب بغير لغته الأم: ان يكون جسرا بين ثقافتيه، الموروثة والمكتسبة.. مع كل ما توحي به الكلمة من مسافات وموانع طبيعية لا يمكن أيَّ براعة هندسية أن تقطعها

.

ولم يتضح ما اذا كانت الاكاديمية الفرنسية، حصن الثقافة واللغة الفرنسيتين ومعبدهما الاهم، قد ضمت أمين معلوف لأنها أرادت استعادته من رحلة البحث الشاق عن تلك الهوية، وإقناعه بالتسليم بأن فرنسيته كافية وافية، تسمح له بالاطلالة بين الحين والآخر على عالمه القديم، اللبناني والعربي، واستخدامه، كما فعل في جميع أعماله الادبية، كمصدر للوثائق التاريخية التي أُعيدت قراءتها ووضعها في سياق عصري جذاب، وخلفية لصوره وإشكالياته الروائية التي أغوت القارئ الفرنسي مثلما اجتذبت القارئ العربي.

في المقام الاول والاهم، هو تكريم فرنسي لائق لأديب لبناني وعربي مبدع، يخوض تجربة ثقافية مميزة، لعلها كانت مؤثرة في تحول الكثيرين من الادباء العرب، المصريين تحديدا، نحو وضع التاريخ في خدمة الرواية ووضع الرواية في خدمة التاريخ، وكتابتهما بلغة شيقة، تتخطى الحواجز التقليدية، وبينها حاجز الترجمة. وما صدر في مصر على سبيل المثال، بعدما كتب أمين معلوف روائعه الاولى عن الحروب الصليبية وليون الافريقي وسمرقند وصخرة طانيوس.. يكاد يشق طريقا خاصا للادب العربي، ويخرج من النصوص المصرية، الادبية - التاريخية، ما لا يقدر بثمن.

لم يزعم أمين معلوف ان أدبه لبناني أو عربي، ولم يكتب بلغة قريش. لكنه لم ينقطع عن تلك اللغة ولم يتنكر لتلك الهوية، التي أكد الاحتفاظ بها لحظة قبوله عضواً في المؤسسة الفرنكوفونية الأعرق.. ليؤكد أن فرنسيته كانت ولا تزال أشبه بملاذ آمن، لجأ اليه هربا من انفجار لبنان الذي كان بمثابة انهيار لتجارب عربية، ثبت الآن انها كانت خيالية، وهي تعيد مراجعة نفسها من مرحلة ما قبل هجرة معلوف الباريسية في سبيعنيات القرن الماضي.

لعل انضمام أمين معلوف الى الاكاديمية الفرنسية هو جزء من هذه المراجعة، وليس قطيعة معها. فالكاتب يدخل اليوم الى ذلك الصرح العلمي والثقافي الكبير، من دون ان يكون خجلا من ثقافته الأم، على ما أوحت زميلته العربية الوحيدة في الاكاديمية الجزائرية آسيا جبار، ومن دون ان يكون معتدا بثقافته المكتسبة، على ما يزعم بعض متهميه بالاغتراب.. الذين يتجاهلون حقيقة انه أحد أبرز المؤهلين لإعادة إنتاج ما يمكن ان يصنف بأدب المهجر اللبناني والعربي، الذي أسهم إسهاما حاسما في بدايات القرن الماضي في صياغة الهوية العربية، وفي بلورة الثقافة العربية، من دون الزعم ان ثمة جسورا بنيت بواسطة هؤلاء الرواد بين حضارتين أو ثقافتين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل