المحتوى الرئيسى

قبل أن يتحول الأزهر إلى سلطة دينية

06/25 08:01

تمنيت لو أن جلسات الحوار، التى أسفرت يوم الإثنين الماضى، عن إعلان ما سمى بـ«وثيقة الأزهر بشأن مستقبل الدولة فى مصر»، كانت قد عقدت فى مكان آخر غير مشيخة الأزهر، ولو أن الوثيقة ذاتها كانت قد أعلنت بعيداً عن مقر المشيخة، كما تمنيت لو أن الذين شاركوا فى الحوار، وتوافقوا على ما ورد فى الوثيقة، وهم - كما ذكرت الوثيقة - «كوكبة من المثقفين المصريين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والدينية وعدد من كبار العلماء والمفكرين فى الأزهر»، كانوا قد وقّعوا عليها بأسمائهم، باعتبارها وجهة نظرهم الشخصية، حتى لا يخطئ أحد فيظن أنها تعبر عن رأى المثقفين أو عن رأى المشيخة، إذ ليس للمثقفين كلهم رأى واحد، وليس للأزهريين كلهم وجهة نظر واحدة، إلاّ لدى صحافتنا غير الغراء، وإعلامنا الذى يتسم بالجهل العصامى!

ووثيقة الأزهر بشأن مستقبل مصر، هى الأخيرة.. حتى الآن من سلسلة مبادرات فضيلة د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، التى شهدت خلال الأسابيع الماضية، لقاءات وحوارات مع ممثلين لجماعات الإسلام السياسى، شملت أقطاب جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية والسلفيين، مما أعطى الانطباع بأن الأزهر يسعى لإعلان اعترافه بهذه الجماعات، والتنسيق فيما بينها، والقيام بدور الراعى الرسمى - أو الشرعى - لها.. وبينما انتهت حوارات فضيلته مع ممثلى هذه الجماعات بتصريحات بروتوكولية، تبادل فيها الطرفان عبارات المجاملة، ولم يصدر عن أى منها وثيقة حول مستقبل مصر، اكتفاء بتأكيد كل منهما على تطابق وجهات نظرهما، فقد انفرد الحوار مع كوكبة المثقفين بإعلان الوثيقة التاريخية!!

ومع تقديرى للنيات الطيبة التى دفعت فضيلة الدكتور «أحمد الطيب» للقيام بهذه المبادرات الطيبة، إلا أننى أعترض عليها من حيث المبدأ، لأنها مبادرات تقحم الأزهر فيما لا شأن له به، ولا اختصاص له فيه، وتخرج به عن وظيفته التى حددها له قانونه، ونصوصه الصريحة تقطع بأن الأزهر هو جامع ومدرسة وجامعة وأكاديمية علمية متخصصة فى الدراسات الإسلامية، شأنه فى ذلك شأن كل الجوامع والمدارس والجامعات والأكاديميات فى مصر، فليس له بهذه الصفة أن يتدخل فى الشؤون السياسية، أو يكون طرفاً فى الجدل الحزبى أو يدير حوارات أو يصدر وثائق تتعلق بهذه الشؤون.

بصراحة ووضوح: ليس من حق الأزهر - أو غيره من الجوامع أو الكنائس أو المدارس أو الجامعات أو الأكاديميات اللاهوتية أو البطركخانات - أن تجرى حواراً مع الأحزاب السياسية، التى تصف نفسها بأنها ذات مرجعية إسلامية، ولا مع أى أحزاب أخرى، لأن حواراً مثل هذا هو شأن خاص من شؤون هذه الأحزاب، تجريه مع نظرائها من الأحزاب والجماعات، تتفق وتتحالف أو تختلف وتتصارع، طبقاً لدرجة التقارب والاختلاف بين برامجها ورؤاها للمصالح العامة، وليس من حقه أن يضع بعضها تحت رعايته ويحرم البعض الآخر من هذه الرعاية، أو يتدخل فى شؤونها بأى شكل من الأشكال.

ذلك خلط فى وظائف وأدوار المؤسسات حوّل النقابات المهنية إلى أحزاب سياسية، وحوّل الأحزاب السياسية إلى مقاه لتبادل الضرب بالكراسى، وحوّل مذيعى التليفزيون إلى زعماء سياسيين، والذين يدعون إليه أو يشاركون فيه، بحسن نية أحياناً وعن عمد أحياناً أخرى، يمهدون لتحويل الأزهر من جامع ومدرسة وجامعة وأكاديمية للبحث فى علوم الإسلام، إلى «سلطة دينية»، وهو ما ورد بالنص فى «وثيقة الأزهر» التى أكدت باسم «كوكبة المثقفين وكبار علماء ومفكرى الأزهر» أنهم يعتبرون الأزهر «المنارة الهادية التى يُحتكم إليها فى تحديد علاقة الدين بالدولة وبيان أسس السياسة الشرعية الصحيحة التى ينبغى انتهاجها».

ذلك كلام لا صلة له بقانون الأزهر القائم، ولا بالاختصاصات المحددة التى يناط بها الهيئات الخمس التى يتكون منها (المجلس الأعلى للأزهر، مجمع البحوث الإسلامية، إدارة الثقافة والبعوث، جامعة الأزهر، المعاهد الأزهرية) ولم يرد فى أى قانون سابق له، ولم يسلم له به أحد فى أى عهد من العهود منذ تأسس قبل أكثر من ألف عام ليكون مدرسة للفقه الشيعى، فى عهد الفاطميين، وبعد أن أصبح مدرسة للفقه الشافعى، ثم بقية مذاهب أهل السنة فى عهد الأيوبيين، ولم يسبق لعلماء الأزهر أن أجمعوا على سياسة شرعية واحدة، ولا يزالون حتى اليوم يختلفون حول هذه السياسات.

ولو أنصف فضيلة شيخ الأزهر لكف يده عن هذا الأمر، ولاهتم بمشاكل الأزهر المتفاقمة كمعهد تعليمى، ولركز جهده فى تحديث التعليم فيه وتطويره، ولو أنصف الذين يحرضون الأزهر على أن يتحول إلى سلطة «دينية» لكفوا عن السير فى هذا الطريق الذى سيقودنا إلى استبداد أسوأ وأضل سبيلا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل