المحتوى الرئيسى

مليارات الثورة

06/25 08:01

الإعلاميون، السياسيون، الحقوقيون، النخبة، البسطاء، وأنا وأنت- بظنى- مسؤولون عن تلك الحمى التى تكاد تختزل مكتسبات الثورة، فى مليارات مهربة هناك وهناك.

صحيح أن هذه المليارات منهوبة من موارد الدولة، وملك لخزانتها، ولا ينبغى أبدا التفريط فى السعى- القانونى- على المستوى الدولى لاستردادها. وصحيح أنها حق منهوب ربما نُسأل عنه يوم الحساب، خاصة أن هناك من طبقات الشعب من لا يجد قوت يومه، والحال يزداد سوءاً عند الكثيرين يوما بعد يوم- لكن الواقع يقول إن المصريين، حتى عشية 25 يناير، كانوا بالفعل يعيشون ويتنفسون بدون هذه المليارات.. كيف كانوا يعيشون؟

هذه قصة أخرى. أما الأكيد فهو أننا كنا ننام، ونصحو، ونعمل، ونـُنتج، ونـُدر كل يوم أرباحاً ومليارات جديدة، تلك التى لولاها ما وجد «الكبار» ما يسرقونه من لحم الحى، طوال العقود الماضية.

تجاريا، أبرز عناوين الصحف الرائجة هذه الأيام تتناول روايات القبض على مسؤولى النظام البائد، الواحد تلو الآخر، مصحوبة بأنباء، ثلاثة أرباعها متضارب، عن أرقام أرصدتهم البنكية المهربة، بين ما تم تجميده، وما تم تبييضه، وما تم إيداعه بأسماء مموهة، وعلى الفضائيات، تتنقل بين قناة وأخرى، لتصدعك برامج الـ«توك شو» بأرقام وأعداد أعجز عن كتابتها إذا ما أسعفتنى الذاكرة بحفظها.

أما اجتماعيا، فأبرز تعليقات المواطنين على تلك الأخبار فى صفحات التفاعل الإلكترونية على شبكة الإنترنت، يأتى أغلبها من نوعية «هاتولنا فلوسنا» و«رجعولنا حقوقنا»، فى حملات مزايدة عفوية ربما تستهدف التعاطف مع الفقراء، لكنها تعلقهم، فى حقيقة الأمر، بأحلام ثراء سريع، لا تمت بصلة لواقع الإجراءات القانونية التى ينبغى على المسؤولين اتباعها مع الجهات الدولية لاسترداد أموال مصر المهربة بالخارج.

وسياسيا، لا يجد الحزبيون، القدامى والجدد، فى حملاتهم الانتخابية المبكرة خميرة أفضل من تلك لدغدغة أحلام البسطاء، بالحديث عن استرداد أموالهم المسروقة من لصوص النظام المخلوع، حتى إن عاملة بيت من الطبقة الكادحة تعمل لدى أسرة صديقة لى أجلت زفاف ابنتها لحين استعادة نصيبها من تلك المليارات، كى يتسنى لها تجهيزها- كما تحلم لها.

هكذا تحول تدريجيا شغلنا الشاغل إلى التنقيب عن ميراث الثورة، التى لم يمض عليها بعد سوى بضعة شهور، قبل أن نجنى ثمارها الحقيقية التى من أجلها انتفض جسد مصر. وقبل أن نعيد بناء منظومتنا الاجتماعية والأخلاقية والتعليمية، رحنا نفتش عن نصيب كل منا، على طريقة فيلم «أنا عايز حقى».

وقبل أن نستقر على تأسيس دعائم الجمهورية الثانية، وقبل أن نحدد ملامح الدولة الجديدة، ونختار لها دستورا يُسيرها، وننتخب لها حكومة تقودها، ورئيسا يدير شؤونها، انشغلنا بتفاصيل أخبار الفارين والمخلوعين.

لا أطالب بأن نتوقف عن ملاحقة الأموال المهربة، بل نوقف حمى انتظارها بصبر نافذ، أما أن نعطل حياتنا ونعوق معها عجلة الإنتاج، على أمل واحد هو استعادة تلك الأموال، كميراث جاهز، خلفه لنا الثوار على صحن من ذهب، فهذا ما لا يليق بالمصريين الذين أبهروا العالم بانتفاضة استعادوا بها- أهم ما استعادوا- كرامتهم الوطنية.

ولأن مصر ولادة، ولأنها قادرة بمواردها وطاقاتها البشرية على صنع المستحيل، فعلى رجال الدولة السعى الدبلوماسى والقانونى لاستعادة تلك الأموال، وعلينا نحن العمل والإنتاج بمنطق أنه بهذه المليارات أو بدونها ستحيا مصر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل