المحتوى الرئيسى

مصر والنيل... رباط المصير

06/25 03:15

جيفري كمب

ليس كل شيء على ما يرام في مصر هذه الأيام؛ فمشاعر النشوة التي تلت الإطاحة بنظام مبارك في فبراير 2011، والأمل الذي راود المصريين بتولي حكومة جديدة مستنيرة، تبعتهما منازعات داخلية وقلق متزايد من جانب المصري العادي الذي بات يدرك على نحو متزايد أن اقتصاد بلاده يعاني من ضائقة شديدة. فالسياحة التي كانت قبل الانتفاضة صناعة مزدهرة، تقلصت بنسبة 70 في المئة، وهو ما يعني أن المصريين الذين يعانون من نسبة بطالة مرتفعة سوف يفقدون أعداداً هائلة من الوظائف التي كان يوفرها هذا القطاع الهام. وعلى الرغم من أن المسؤولين المصريين يأملون في إقناع السياح العرب بالقدوم بكثافة إلى مصر خلال الصيف، إلا أن الدلائل تشير إلى أنه سوف يمضي وقت طويل قبل أن يأتي الأوروبيون والآسيويون إلى مصر بأعداد كبيرة كما كان الأمر من قبل. أما الاستثمارات الأجنبية فقد هبطت إلى الصفر تقريباً، وهو ما يعني أن النمو الاقتصادي سوف يكون معَوّقا لشهور طويلة قادمة. أما بالنسبة للأقليات، وعلى وجه الخصوص الأقباط الذين يشكلون ما نسبته 10 في المئة من إجمالي تعداد السكان، فيشعرون بالقلق من احتمال استهدافهم من قبل المتطرفين الإسلاميين إذا ما اكتسب هؤلاء تمثيلاً في السلطة خلال المرحلة القادمة.

جيران مصر أيضاً يشعرون بالقلق؛ ذلك لأن مصر غير المستقرة تمثل خبراً سيئاً للجميع. فسلام مصر مع إسرائيل كان حجر الزاوية في تحقيق الاستقرار في المنطقة منذ نهاية السبعينيات وحتى الآن، كما كان دعامة رئيسية من الدعامات التي تنبني عليها السياسة الأميركية في المنطقة. ومصر لها دور كبير في مستقبل فلسطين، لكنها غارقة تماماً في همومها الذاتية بما لا يمكنها سوى من لعب دور هامشي في الأزمات العديدة التي تكتنف المنطقة، بما في ذلك المواجهات المستمرة حالياً في ليبيا وسوريا واليمن.

وإذا ما نظرنا إلى ما بعد الصدمات الحالية التي تعاني منها مصر، فسنرى أنها تواجه مشكلتين بيئيتين طويلتا الأمد، بدأتا تثيران قلق النخبة في مصر. المشكلتان معاً تتعلقان بالماء. فمن المعروف أن وجود مصر يعتمد على تدفق مياه النيل الغزير من منابعه في أفريقيا: النيل الأبيض الذي ينبع من أوغندا، والنيل الأزرق الذي ينبع من إثيوبيا. ومن المعروف كذلك أن معظم سكان مصر يعيشون في منطقة دلتا النيل التي تطل في نهايتها الشمالية على البحر الأبيض المتوسط، وأن مصر لديها معاهدة طويلة الأجل مع السودان تنظم نصيب كل منهما من المياه، وهي معاهدة ماتزال سارية حتى الآن، وإن كان لا أحد يعرف ما الذي سيحدث بشأنها بعد استقلال جنوب السودان الذي يجري في أراضيه النيل الأبيض القادم من أوغندا ليلتقي بالنيل الأزرق القادم من الحبشة عند الخرطوم.

ونظراً لزيادة عدد السكان في البلدين، وتبخر جزء كبير من مياه النيل نتيجة لظاهرة الاحتباس الحراري، فإن كلا من مصر والسودان تحتاجان إلى كميات إضافية من المياه لأغراض الزراعة والاستهلاك البشري. والبلدان يشعران بالقلق إزاء التطورات التي تحدث في أوغندا وإثيوبيا في الوقت الراهن. فلدى كل من الدولتين خطط لإنشاء سلسلة من السدود على مجرى النهرين لتوليد الكهرباء التي تحتاج كل منهما إليها بصورة ماسة. وفي الآونة الأخيرة انخرطت مصر في محادثات مكثفة مع إثيوبيا لتجنب حدوث أزمة في العلاقات بينهما. ومن المعروف أن مصر كانت تؤكد دائماً أن أي تدخل من أي دولة في تدفق مياه النيل في مجاريها الطبيعية، سوف يعد بمثابة عمل من أعمال الحرب. ومن حسن الحظ أن المفاوضات التي تمت بين الحكومة الإثيوبية والحكومة المؤقتة في مصر، قد ساعدت على تخفيف حدة التوتر كما يبدو، مما سيتيح الفرصة للمفتشين المصريين لزيارة إثيوبيا للتأكد من عدم وجود أي تغييرات جدية على مجرى النهر تحدث هناك. أما المشكلات بين مصر وأوغندا فهي أكثر قابلية للحل وأقل خطورة، وهو ما يرجع لحقيقة أن النيل الأبيض لا يساهم بقدر كبير في كمية المياه التي تصل إلى مصر كالنيل الأزرق القادم من إثيوبيا.

أما المشكلة المائية الأخرى طويلة الأجل التي تنتظر مصر، فهي تلك المتعلقة بارتفاع مستوى مياه البحر الأبيض المتوسط، بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان مياه الثلوج في "جرين لاند" والغطاء الثلجي في الدائرة القطبية الشمالية. ويمكن أن ينتج عن ذلك حدوث فيضانات خطيرة تغمر أراضي الدلتا وحوض النيل، ما سيؤدي لإتلاف المحاصيل وتدمير منازل ملايين المصريين الذين يعيشون في الدلتا والمناطق المطلة على الأبيض المتوسط.

وبناء على ذلك كله، ليس المهم هو نوع النظام السياسي الذي سيتطور في مصر عقب الانتخابات البرلمانية المقرر عقدها في شهر سبتمبر القادم، ولا شخص الرئيس الذي سيتم انتخابه بعد ذلك بفترة قصيرة، وإنما المهم هو حقيقة أن مصير مصر مرتبط بشكل فريد بالنيل. لقد كان النيل هو مصدر قوة مصر ونفوذها التاريخي لآلاف السنين. وأي تغيير في تدفق مياه النهر سوف تترتب عليه نتائج كارثية. ومن هنا فإن أمن النيل يجب أن يمثل أهم الأولويات الاستراتيجية لأي حكومة مصرية قادمة، بصرف النظر عن الأيديولوجية السياسية التي ستعتنقها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل