المحتوى الرئيسى

الإسلامي صادق الليبرالي

06/24 18:24

عدنان فرزات

ثمة حوار عجيب يدور كل يوم، تقريباً، على الفيسبوك بين شخصين، واحد إسلامي يميل إلى التشدد بعض الشيء، والثاني ليبرالي وعلماني ومنفتح على الآخر.

الجبهة الليبرالية يمثلها شخص معروف هو الزميل عبدالوهاب العوضي رسام الكاريكاتير، الذي تجعلك رسوماته في منطقة وسطى بين الضحك والبكاء. أما صاحب الشخصية الإسلامية، فيسمي نفسه أبو عمر الغامدي، وقد يوحي الاسم بأنه مكتوب على باب كهف في تورا بورا، لكنه في الواقع هو شخصية حقيقية وهذه كنيته، وهو يعلن بين وقت وآخر عن اسمه الصريح.

اللافت في هذا الحوار، أنه يمثل نموذجين عقلانيين من النقاش بين هذين الاتجاهين المتناقضين، فبعد كل مرة يشتد فيها النقاش بينهما، يأبى الغامدي أن يكفر العوضي، وبالمقابل فالعوضي لا يتهم الغامدي بأنه مفخخ، بل ينتهيان إلى التصافح والتسامح ويرسم لكل منهما لزميله علامة الابتسامة، ثم يمضيان استعداداً لــ «موقعة» جديدة، لا يخرج منها أي منهما خاسراً! ولكن هذه «الملائكية» في الحوار، ليست دائماً كذلك، فأحياناً يصبح الضرب من تحت «الكيبورد»، باعتبار أن الحوار على الإنترنت، ولا يخلو الأمر من حركات استفزازية طريفة يقوم بها العوضي، فيستثير الغامدي الذي يرد اعتباره بالتلويح لمحدثه بتطبيق أحكام الشريعة، بحذافيرها، ملمحاً له بأن الثورات العربية اليوم هي تمهيد للخلافة الإسلامية، وكأنه يقول للعوضي «يجي حبك على الطاحون»، وبأن حد الحرابة سيقام على رسوماته وأفكاره «المارقة»! ولكن في مرات أخرى يحصل في هذه الحوارية عكس ما هو في الواقع، خصوصاً في مسألة التكاتفات التي تحصل بين الإسلاميين مثلاً ضد الليبراليين، أو العكس، فالأمر هنا يختلف قليلاً، إذ يتسلل الإسلامي الغامدي إلى صفحة الليبرالي العوضي، فيدس له عبارة يستنفر لها صاحب الصفحة، ويلتف حوله مجموعة من مناصريه الليبراليين، ويحشدون «ناتو» فكرياً، بينما الغامدي يسرج لهم خيل «تراثه» ويكر عليهم.

وهذه هي النقطة التي تختلف عن الواقع، فالمعروف أن الإسلاميين هم أكثر التفافاً حول بعضهم من الليبراليين، خصوصاً في الحياة النيابية والسياسية بشكل عام، لكن في الحالة التي أمامنا يحدث العكس، إذ يبقى الإسلامي (الغامدي) أحياناً وحيداً في معركته التي يواجه فيها آراء معارضة كثيرة، فهو ناشط إسلامي في صفحات معظم أصحابها من الليبراليين! ولكنه مع ذلك لديه قناعة بأنه «لا يؤذن في مالطا»، بل يعمل على مبدأ «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة». وفي أحيان عديدة تضبط معه، فترى القوم يتراكضون من أمامه صرعى، بسبب أفكاره طبعاً، لا خشية أن يكون محزماً!

وللدلالة على شراسة الحوار بين تياري العوضي والغامدي، سأورد فقرة من حوارية جرت بينهما حول قيادة المرأة للسيارة، يقول الغامدي: «السماح بسواقة النساء للسيارات سيكون جريمة في حق آلاف النساء والأطفال ممن سيذهبون ضحية الحوادث»، فيرد عليه العوضي: «حوادث السيارات أغلبها يرتكبها الرجال وليس النساء هذي إحصائيات مثبتة»، وهذه أهدأ جملة، ربما، اخترتها، فهناك ما هو أعظم، ثم يحتد النقاش بينهما أكثر حتى يضطر المتابع للنقاش أن يخفض رأسه بين الحين والآخر، خشية أن تصيبه شظية من طبق طائر! لكن الصديقين: الإسلامي والليبرالي يفاجئان الحضور بمشهد ختام حضاري وأنيق، إذ يمضي كل واحد منهما، إما يلملم جراحه، أو يحصي غنائمه من دون أحقاد.

أرجو أن تعتبر الأطراف المتناحرة في مجتمعاتنا، هذا المقال على مبدأ «اسمعي يا جارة»!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل