المحتوى الرئيسى

بين عناء الجاذبية وراحة النسبيّة..بقلم:د. محمد مسلم الحسيني

06/24 13:50

بين عناء الجاذبية وراحة النسبيّة....

د. محمد مسلم الحسيني

بروكسل


في ليلة هادئة نادرة من نوعها ... خالية من قلق مزمن وهمّ عميق... ليلة إبتهجت فيها أطراف السماء بأشعة قمر ضاحك ... تسللت روحي في أعماق الفضاء، فوصلت عالما مجهولا لا أدرك أبعاده....أخترقت أقطار الحقيقة وأقتحمت عالما آخرا تختلف فيه التفاصيل.... في تلك الرحلة الغريبة تكشفت عندي أسرار وأمور وتوضحت لي ألغاز وتساؤلات....

كنت كيانا بلا جسد وإحساسا بلا حواس ومتعة من غير ألم.... في ذلك المكان الساحر الغريب إنتبهت من حالة اللاوعي وأستيقضت من نوم عميق.... بانت لي الحقائق دون حجاب وتكشفت لي الأمور دون تحفظ، فوعيت على حالي وعلى أحوال الآخرين فدمعت عيني واهتزت مشاعري!

تجولت في أركان ذلك العالم البهيّ وبأرجاء تلك المدينة مترامية الاطراف التي تزيل عنك الهم وتشرح لك الصدر، فكل ركن بها مشرق وكل طرف فيها بهيج . سرت في ثناياها واثق الخطى، متفتح الذهن ، خفيف الظلّ، منبهر الخاطر.....

تساءلت مع نفسي بغرابة : أين أنا وكيف جئت الى هنا ولماذا أتيت !؟ لم ألبث مع دهشتي وتساؤلاتي إلاّ هنيهة حتى مرّ شاب في مقتبل العمر بالقرب مني، إغتنمت الفرصة وسألته بلطف :

- أيها الشاب الكريم، هل لك أن تدلّني عن إسم هذه المدينة!

أجابني بكل أدب واحترام : إنها المدينة الفاضلة ياسيدي.

إستغربت من جوابه وسألته ممازحا : أتعني جمهورية إفلاطون !

هزّ رأسه بالإيجاب ، ثم أشار لي بيده صوب قصر أبيض تكاد قممه تناطح السحاب وقال : ذلك هو بيت إفلاطون.

لم أصدق ما قال حتى طرقت باب ذلك الدار وأنا أبحث عن الحقيقة!. خرج لي إفلاطون بنفسه، بشكله المهيب ولحيته الطويلة وملابسه الوقرة وقبعته الحريريّة التي يعلوها وجه مطرّز بالزمردج. إستقبلني بروح شفافة وبأخلاق عالية وبإبتسامة علوية. دعاني للجلوس في شرفة تطل على قارعة الطريق. حمل لي كأسا من الماء لم أذق مثل طعمه من قبل... إنتعشت نفسي ونشط تركيزي فدار حوار شيّق بيننا.... سألته :

- أيها الشيخ الوقور، حدثني عن التفاصيل.... فأنا ضيف جديد لا أفقه شيئا مما أسمع ولا أستوعب شيئا مما أرى، فكلّ ما أسمع غريب وكلّ ما أرى عجيب....

مسك لحيته البيضاء بيده ثم رفع حاجبيه وشخص عينيه صوبي بعدما كان ينظر صوب الأرض وقال :

- إعلم ياولدي بأنني فشلت في بناء المدينة الفاضلة حينما كنت في عالم "الجاذبية"، ولكنني أفلحت في تأسيسها في عالمنا هذا عالم "النسبيّة"، هذا العالم الحر الطليق الذي فيه الأرواح حرّة طليقة غير محجوزة في جسد وغير مرهونة بمتطلبات مادة.

سألته : ومن هم سكان مدينتك هذه أيها الشيخ الفاضل؟

أجاب : سكان هذه المدينة هم : العلماء الأتقياء، والحكماء النزهاء والأفاضل والمخلصين.

سألته : ومنذ متى أسست هذه المدينة؟

أجاب : منذ أربعة وعشرين يوما أي بعدما غادرت عالم الجاذبية مباشرة.

سألته باستغراب : بل أنت غادرت عالمنا منذ الفين وأربعمائة عاما!

قال : نعم يا بني فان أوقاتنا ليست كأوقاتكم وسنيننا ليست كسنينكم.

في تلك الأثناء وفي عمق الحديث مرّ رجل وقور من أمام شرفة المنزل وكان يسير خلف قرد. إلتفت لي إفلاطون وقال : هل تعرف هذا الرجل ؟. أجبته : لا يا سيدي من هو !؟. قال : أنه العالم القدير داروين فهو يسير خلف أستاذه.

بسرعة البرق إنطلقت صوب الرجل أعانقه وأقبّل فيه. طلبت منه أن يسمح لي ببعض الوقت، أن يجيب عن بعض تساؤلاتي.... وافق داروين على إلتماسي له وقبل أن يبدأ الحوار قدّم لي القرد وقال : أعرفك أولا على أستاذي .

قلت مستغربا : وكيف يكون القرد أستاذك أيها العالم الجليل!؟.

ضحك داروين وقال : في عالم الجاذبية قد إرتكبت ثلاثة أخطاء في نظرية "التطور والإرتقاء"، إكتشفت هذه الأخطاء في عالمي الجديد عالم النسبيّة.

قلت : وما هي أخطاؤك يا سيدي؟

أجاب: الخطأ الأول في نظريتي هو أن جعلت الإنسان ينحدر من سلالة القرود وهذا غير صحيح، لأن عمليّة التخصص في صنع الأنواع تبدأ بشكل مبكر أي منذ بدايات نشوء الخلايا الأم. هذه الخلايا لها قابلية التخصص، أي كلّ خلية منها تتخصص وتنتج صنفا أو نوعا من الكائنات. فالخلية الأم التي تنتج الإنسان هي ليست نفسها التي تنتج القرد، بل أن الإنسان ومن خلال مراحل تكوّنه يمر بأطوار يشابه فيها الكائنات الحيّة الأخرى ومنها القرود. ففي المراحل شبه النهائية من مراحل تطوّر الإنسان شابه فيها القرد في شكله لكنه ليس متحدر منه ولا من نفس خليّته الأم، وهذا الذي تراه أمامك هو أنا حينما كنت أشبه القرد أي في المرحلة المبكرة التي صرت بعدها إنسانا.

قلت ولماذا سميته أستاذك أيها الفاضل ؟.

قال : لأنني حينما كنت في هذه المرحلة كنت أكثر طيبة وأرقى تصرفا وأنقى روحا. كنت أتعايش في سلم وسلام مع غيري، لا أكره أحدا ولا أظلم أحدا ولا أغتاب أحد. وحينما أصبحت إنسانا صار الغدر شيمتي والأنانية خصلتي والخداع ناموسي. وهكذا إنتبهت على خطأي الثاني وعرفت أن الإنسان ليس أرقى من باقي الكائنات في أخلاقه وتصرفاته.

قلت وما هو الخطأ الثالث أيها المعلم الكبير؟

قال : الخطأ الثالث هو أني لم أذكر الروح في نظريتي، بينما الروح هي أساس الوجود ومن غير الروح لا تتحد العناصر مع بعضها لتكوّن المركبات ولا المركبات مع بعضها لتكوّن الخلايا ولا الخلايا مع بعضها لتكوّن الأنسجة ولا الأنسجة مع بعضها لتكوّن الأعضاء ولا الأعضاء مع بعضها لتكوّن الكائن الحي. فالمادة المجردة من الروح لا تنمو ولا تتطور، الروح تحفز المادة وتدفع بها نحو التطور والنمو، ومن غير الروح تبقى المادة على حالها كما هي.

وبينما كنت أصغي بكل جوارحي لما يقوله داروين، مرّت زحمة من الناس وهي ترفع السيوف وتقرع الطبول وتشتم بالمارة وتلعن فيهم. كان قائد هذه المجموعة رجل أسمر نحيف الجسد قصير القامة يشبه الى حد كبير الزعيم الهندي الراحل الماهاتما غاندي.

سألت داروين من هم هؤلاء وما هو شأنهم.....؟ أجاب : هؤلاء أصدقاء غاندي يخرج بهم كلّ يوم من أجل الإثارة والفتنة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل