المحتوى الرئيسى

مخاطر عدم رفع سقف الدين الأمريكي

06/24 12:11

0

سبحان مقلب الأحوال، فبعد أن كان الحديث عن أزمة الديون هو من الناحية التقليدية حديث يخص دول العالم الثالث، والفقير منها على وجه الخصوص، فإن الاهتمام العالمي للأسواق ينصب اليوم على احتمالات توقف الولايات المتحدة، أغنى وأقوى اقتصاد في العالم عن خدمة ديونها، وقد تناولنا في الأسبوع الماضي تطورات وملامح الدين العام الأمريكي حتى اليوم كما تناولنا مفهوم سقف الدين، والعلاقة بين رفع سقف الدين وتوقف الولايات المتحدة عن خدمة دينها العام والمتوقع أن يحدث في الثاني من آب (أغسطس) القادم، ما لم يقم الكونجرس بالموافقة على المقترح المقدم من الإدارة الأمريكية برفع سقف الدين العام إلى نحو 16.7 تريليون دولارا، وذلك لكي تتمكن الخزانة الأمريكية من إصدار سندات جديدة تستخدمها في خدمة ديونها القائمة وكذلك في تمويل إنفاقها العام، وكما ذكرنا أن السبب الأساسي لتصاعد الدين العام الأمريكي هو العجز المتفاقم في الميزانية الأمريكية.

جانب كبير من العجز الذي تعانيه الولايات المتحدة يعود إلى نفقات الولايات المتحدة لأغراض الأمن والدفاع الناجمة عن مغامراتها العسكرية في الخارج، والتي صاحبها انخفاض في إيرادات الخزانة من الضرائب التي لا تحصلها الخزانة الأمريكية نتيجة الإعفاءات الضريبية التي تم إقرارها في أعقاب أحداث 11 من أيلول (سبتمبر) والتي تم مد العمل بها أخيرا، وبالطبع تراجع مستويات الدخل والناتج الناجم عن الأزمة. الوضع المالي للولايات المتحدة اليوم، كما ذكرنا، أصبح في غاية الخطورة، فالحكومة الأمريكية تقترض اليوم نحو 40 سنتا من كل دولار تقوم بإنفاقه، وحاليا قد تبدو تكلفة هذا الاقتراض محدودة في ظل المعدلات المنخفضة للفائدة السائدة حاليا، ولكن أي تصاعد في معدلات الفائدة في المستقبل سيحمل كارثة للولايات المتحدة.

لقد أصبح من الواضح اليوم أن الضمانة الوحيدة لاستمرار الولايات المتحدة في خدمة دينها العام اليوم هي استمرار رفعها بشكل مستمر لسقف دينها العام، وذلك لكي تتمكن الخزانة الأمريكية من إصدار المزيد من السندات لخدمة هذه الديون، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة أصبحت تقترض لكي تخدم ديونها وهو تطور في غاية الخطورة، إذ بهذا الشكل يصبح الدين العام الأمريكي اليوم أشبه بمخطط بونزي، أو كالذي يأخذ من بول لكي يدفع إلى بيتر.

كنا قد تساءلنا في الأسبوع الماضي عن احتمالات أن تلجأ الحكومة الأمريكية إلى التوقف عن خدمة ديونها، والآثار التي يمكن أن تترتب على ذلك. الحقيقة هي أنه وحتى هذه اللحظة ما لم يقم الكونجرس الأمريكي برفع سقف الدين قبل حلول الثاني من آب (أغسطس) المقبل فإن احتمال توقف الولايات المتحدة عن خدمة ديونها بصورة مؤقتة هو احتمال مؤكد، وذلك وفقا لما أوضحه وزير الخزانة الأمريكي تيموثي جايثنر، ويقصد بالتوقف المؤقت أن تتوقف الحكومة عن مدفوعات الفائدة على الديون للمقرضين لمدة محدودة من الزمن، أو ما يطلق عليه التعثر الفني Technical Default. بحلول آب (أغسطس) المقبل ستستحق سندات على الحكومة الأمريكية بمبلغ 27 مليار دولار، وكذلك ستستحق 25 مليار دولار كوبونات مدفوعات فوائد، وبما أن الخزانة الأمريكية ستستنفد جميع الوسائل غير الاعتيادية لخدمة الدين بحلول هذا التاريخ فإنها ستضطر إلى أن تعلن عن توقفها عن السداد.

ولكن هل يعقل ألا يوافق الكونجرس الأمريكي على رفع سقف الدين مجبرا الإدارة الأمريكية الحالية على التوقف عن خدمة ديونها، ومن ثم معرضا السمعة الائتمانية للولايات المتحدة برمتها للخطر؟ الإجابة هي أنه إذا رفض الجمهوريون الذين يسيطرون على الكونجرس اليوم رفع سقف الدين، فإن احتمال توقف الولايات المتحدة عن خدمة دينها العام سيصبح احتمالا حقيقيا. الجمهوريون يطالبون بأن يصاحب رفع سقف الدين ضرورة تبني خطة واضحة للسيطرة على الإنفاق العام ومن ثم على الدين الأمريكي، ووجهة النظر المعلنة للجمهوريين هي أن حملة سندات الدين الأمريكي سيقبلون بفكرة التوقف عن خدمة الدين لفترة مؤقتة حتى تتحسن الأوضاع المالية للولايات المتحدة من خلال تخفيض الإنفاق وهو ما يرفع من قدرتها على خدمة ديونها على المدى الطويل، وبالتالي من وجهة نظرهم فإن رفض رفع سقف الدين سيكون في مصلحة الجميع، ولكن الأسواق لا تفهم هذه اللغة، فالحديث عن احتمالات عجز الولايات المتحدة عن سداد التزاماتها يخيف المستثمرين في أنحاء العالم كافة وهو ما يضع الولايات المتحدة في موقف حرج للغاية، ومن المتوقع أن يحدث اضطراب عظيم على المستوى العالمي إذا ما تم ذلك.

يمكن القول بأنه وعلى الرغم من المنطقية الظاهرية لحجج الجمهوريين، إلا أنها تحمل خلطا كبيرا للسياسة بالاقتصاد، بل يمكن القول إن مشكلة سقف الدين هي مشكلة سياسية بالأساس، وقد قفزت إلى السطح مع سيطرة الجمهوريين على الكونجرس والذين فيما يبدو يرفضون رفع سقف الدين الأمريكي بهدف منع أوباما من تحقيق المزيد من النجاح على الأرض واستعادة الاقتصاد الأمريكي لوضعه الطبيعي، فالجمهوريون لا يريدون أن تأتي الانتخابات القادمة والاقتصاد الأمريكي في وضع جيد، حتى تنعدم فرص أوباما في التجديد. فمن المعلوم أن الولايات المتحدة تواجه دائما ظاهرة يطلق عليها رواج ما قبل الانتخابات Pre-election boom، حيث يحرص الحزب الحاكم عندما تقترب الانتخابات على أن يكون الاقتصاد في أفضل وضع ممكن، حيث يتوافر لدى الرئيس المرشح قائمة ناصعة من المؤشرات الاقتصادية التي يستخدمها للحديث عن إنجازات الحزب عند خوض الانتخابات، وبما أن الانتخابات القادمة هي بالتأكيد انتخابات الاقتصاد وليس السياسة، لذلك يريد الجمهوريون حرمان الديمقراطيين من فرصة رفع سقف الدين لزيادة الإنفاق على تحسين وضع الاقتصاد الأمريكي ومن ثم رفع فرص الفوز في الانتخابات، ومما يزيد الأمر صعوبة بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية هي أن الجمهوريين لا يريدون فقط خفض الإنفاق ولكنهم أيضا يقاومون أي محاولة لرفع معدلات الضريبة. على الجانب الآخر تقوم خطة الإدارة الأمريكية الحالية على جمع المزيد من الضرائب باعتبار أن معدل الضريبة الفعال حاليا على الأغنياء هو الأقل منذ الخمسينيات، والعودة إلى معدلات الضرائب التي كانت تفرض في فترة بيل كلينتون.

ربما يجرنا ذلك إلى التساؤل عن مدى حق الجمهوريين في رفض رفع سقف الدين؟ الإجابة هي أنه في 2006 تعرض الجمهوريون للموقف الحالي نفسه عندما رفض أن يصوت أي عضو من مجلس الشيوخ من الديمقراطيين لصالح رفع سقف الدين. ما يحدث اليوم إذن هو تصفية حساب لما حدث في آذار (مارس) 2006، فوفقا لبلومبرج، في هذا التاريخ صوت مجلس الشيوخ بأغلبية 52 ـــ 48 لرقع سقف الدين إلى نحو تسعة تريليونات دولار، ومثلما يفعل جايثنر اليوم من تنبيه للكونجرس بأن التغاضي عن رفع سقف الدين سوف يكون له آثار وخيمة على الأمريكيين أنفسهم قبل أن ينعكس على الخارج، فإن وزير الخزانة في ذلك الوقت جون سنو فعل الشيء نفسه، وكانت الخزانة الأمريكية قد أجلت عملية إصدار السندات الجديدة انتظارا لإقرار رفع السقف، وبعد نصف ساعة من هذا التأجيل تم إقرار رفع سقف الدين، وهو ما دعا جون سنو إلى التصريح بأن الكونجرس قد حمى بهذا القرار الثقة الكاملة في الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة، وأكد على أن الحكومة الأمريكية قادرة على الوفاء بوعودها الداخلية، بصفة خاصة فيما يتعلق بمدفوعات الرفاه والرعاية الصحية.

من جانبه يتفق بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفيدرالي على أن عجز الميزانية الأمريكية لا بد وأن تتم السيطرة عليه، غير أن ما ينادي به الجمهوريون بوقف رفع سقف الدين يعد استخداما للأداة الخطأ، حيث حذر برنانكي من أن الفشل في الاتفاق على رفع سقف الدين سيؤثر في قيمة الدولار وعلى ثقة الدول الأخرى في السندات الأمريكية. بينما يرى بول كروجمان أن خفض الإنفاق لن يخفف من احتمال توقف الولايات المتحدة عن خدمة دينها العام طالما أن هذا الدين لا يتوقف عن النمو.

غير أنه تنبغي الإشارة إلى أن ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي يجب ألا ينظر إليه على أنه مؤشر لاحتمال فشل الدولة في خدمة ديونها، ويمكن القول إنه ليس هناك معدل محدد يمكن القول عنده أن الدولة مهددة بالتوقف عن خدمة ديونها، على سبيل المثال على الرغم من أن دين المملكة المتحدة كان يمثل 240 في المائة من الناتج المحلي لها بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنها لم تقع في هذه المشكلة، كذلك فإن دين اليابان يمثل حاليا نحو 200 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، ومع ذلك فاليابان تستطيع أن تقترض ما تشاء وبمعدل فائدة صفري تقريبا، على العكس من ذلك فإن هناك دولا أخرى وقعت في هذه الأزمة عند نسب منخفضة جدا للدين إلى الناتج المحلي، على سبيل المثال ما حدث لروسيا في 1998 بنسبة دين إلى الناتج المحلي تساوي 12.5 في المائة، وألبانيا في 1990 بنسبة دين 16.9 في المائة.

في كتاب لهما بعنوان This Time is Different توصل Reinhart وRoogff إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ليست مؤشرا جيدا على احتمالات التوقف عن السداد، وإنما تاريخ عملية التوقف عن السداد في الدولة، على سبيل المثال البرتغال لديها تاريخ طويل في التوقف عن السداد، بينما الولايات المتحدة ليست كذلك، وبالتالي فإن الأسواق تكون أكثر حذرا في التعامل مع الحالة البرتغالية عن الحالة الأمريكية. ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني أن الولايات المتحدة ستتوقف عن خدمة دينها عندما يكون ذلك هو الخيار الأمثل أمامها، ولكن جميع المؤشرات تشير إلى أن ذلك الخيار ليس هو الخيار الأمثل اليوم، والآن ما الذي يحدث إذا توقفت الولايات المتحدة عن خدمة دينها العام؟ الحقيقة أن الآثار التي يمكن أن تترتب على ذلك، وفي هذا التوقيت بالذات هي آثار مرعبة، ويمكن تلخيص هذه الآثار في الآتي:

أولا: ستضطر الحكومة الأمريكية إلى تخفيض الإنفاق العام بصورة حادة، ذلك أن توقف الولايات المتحدة عن خدمة ديونها سيؤثر في قدرتها على إصدار سندات جديدة، وهو ما يجبرها على اللجوء إلى خفض الإنفاق بصورة كبيرة، الأمر الذي يعقد من أوضاع استعادة النشاط الاقتصادي، ومما لا شك فيه أن اضطرار الولايات المتحدة إلى اتباع سياسات تقشفية سيغرق الولايات المتحدة مرة أخرى في الكساد ويصبح التراجع المزدوج أمرا مؤكدا مع تراجع معدلات النمو وارتفاع معدلات البطالة، وهناك حاليا خلاف واضح بين الجمهوريين والديمقراطيين حول سياسات التقشف، فالجمهوريون يرغبون في تخفيض الإنفاق العام، بينما يقترح أوباما تجميد الإنفاق الأساسي للولايات المتحدة (مثل الرعاية الصحية والدفاع)، بينما يزيد الإنفاق الحكومي على الاستثمار في التعليم والابتكار وعلى البنية التحتية لكي يحافظ على تنافسية الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي. من ناحية أخرى، فإنه من الصحيح أن الولايات المتحدة تملك القدرة على زيادة إيراداتها والحد من نفقاتها وذلك لتثبيت نسبة دينها العام إلى الناتج المحلي الإجمالي على الأقل، ولكن المشكلة هي أن الوقت الحالي غير مناسب إطلاقا للقيام بذلك، وطالما استمرت الضغوط الحالية التي تواجهها الولايات المتحدة ستستمر الضغوط المالية التي تعانيها أيضا.

ثانيا: مما لا شك فيه أن توقف الولايات المتحدة عن خدمة ديونها سيتسبب في شيوع حالة ذعر عظيمة في الأسواق العالمية، وهو ما يمكن أن يحدث صدمة هائلة في أسواق الأصول ليس فقط في أمريكا، ولكن في أسواق العالم أجمع، بصفة خاصة في أسواق الأسهم حيث من المتوقع أن تتأثر أسعار الأسهم بصورة كبيرة، وهو ما يمكن أن يحدث فوضى عارمة في الأسواق العالمية، ولا يمكن توقع الآثار التي يمكن أن تترتب على ذلك، ولا شك أن أسوأها هو أنه من الممكن أن يتسبب ذلك في نشوب أزمة مالية عالمية أخرى، مثلما يتوقع المراقبون وهو ما قد ذلك بالاقتصاد العالمي نحو الانهيار على نحو سريع، آخذا في الاعتبار الظروف الحالية التي يمر بها.

ثالثا: من المؤكد أن مؤسسات التصنيف الائتماني ستقوم بتخفيض تصنيف الدين الأمريكي وهو ما يمكن أن يحول السندات الأمريكية إلى سندات غير مرغوب فيها عالميا Junk Bonds في تصنيفها العام إذا توقفت الولايات المتحدة عن خدمة الدين في آب (أغسطس) المقبل، الأمر الذي سيدفع المستثمرين في الدين الأمريكي إلى طلب معدلات عائد أعلى، وعليه ستضطر الولايات المتحدة إلى دفع تكلفة أكبر لديونها، إلى أن تستعيد تصنيفها الائتماني الحالي مرة أخرى، ومع كل زيادة في العائد المطلوب على السندات الأمريكية سترتفع نسبة خدمة الدين إلى إجمالي الإنفاق العام الأمريكي، ومن ثم يثقل العبء على كاهل دافع الضرائب، وبالنظر إلى الحجم الهائل للدين الحالي فإن مدفوعات الفائدة الناجمة عن ارتفاع تكلفة خدمة الديون ستربك المالية الأمريكية وتجعل من الصعب على الولايات المتحدة استعادة تصنيفها الائتماني في وقت قصير. أكثر من ذلك فإن ارتفاع مدفوعات الفائدة على الدين يؤثر سلبا في معدلات النمو الاقتصادي.

رابعا: سيؤدي توقف الولايات المتحدة عن خدمة ديونها إلى إلقاء ضغوط إضافية على الدولار المنخفض أصلا، وفي ظل السياسات الحالية حيث لا يوجد أمل في تحسن وضع الدين العام الأمريكي في المستقبل المنظور، فإن الأخير سيظل مصدرا كامنا للضغط على الوضع العالمي للدولار، وستتراجع قيمة الدولار بصورة كبيرة أمام العملات المختلفة الأمر الذي يمكن أن يزيد من الضغوط الحالية التي يواجهها الدولار، حيث قد يدفع العالم إلى العمل على التخلص من الدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل