المحتوى الرئيسى

ناصر وأردوغان ووحدة الأجندة

06/24 03:12

أحمد عمرابي

لو بعث عبد الناصر اليوم لعقدت الدهشة لسانه، لأنه سيرى أنه بعد 41 عاما من غيابه لا تزال إسرائيل على قيد الحياة.. بل صارت أقوى مما كانت عليه في عام 1970، العام الذي رحل فيه جمال عبدالناصر عن الدنيا. لكنه سيرى شيئا آخر: تركيا الأتاتوركية لم تعد أتاتوركية، بعد أن تحررت من الهيمنة الأميركية لتتخذ لنفسها موقعا متقدما في مناهضة إسرائيل، تحت قيادة «حزب العدالة والتنمية» بزعامة رجب طيب أردوغان.

تركيا الجديدة ليست نسخة طبق الأصل من مصر الناصرية.. وأردوغان ليس نسخة من عبدالناصر. فهناك فوارق في الرؤية، وبالتالي في الأهداف، ولكن هل هي فوارق جوهرية؟

جمال عبدالناصر كان يرفع راية القومية العربية، بينما أردوغان يرفع اليوم راية التضامن الإسلامي. عبدالناصر بالأمس كان يخاطب الشعوب العربية، واليوم يخاطب أردوغان شعوب الأمة الإسلامية. فهل يعتبر هذا الاختلاف تناقضا جوهريا في الرؤية بين الحالتين؟

بطبيعة الحال لم يكن لحزب العدالة والتنمية أن يتبنى خطابا عروبيا، لأن الشعب التركي ببساطة ليس شعبا عربيا، مما يؤدي لطرح سؤال: هل تتعارض القومية العربية مع الهوية الإسلامية؟

الشعوب العربية شعوب مسلمة، واللغة العربية هي لغة القرآن الكريم. وبالتالي فإن الإرث الحضاري لشعوب الأمة العربية، هو إرث إسلامي يربطها بالشعوب الإسلامية الأخرى من غير العرب، فصارت لها هوية إسلامية. حزب العدالة والتنمية سيدخل التاريخ باعتبار أنه يمثل القوة الثقافية المعنوية، التي ساعدت شعبها على استرداد هويته الأصلية.. ألا وهي الهوية الإسلامية.

الهويات الحضارية الأصلية للشعوب، لا تلغى بقرارات سياسية تعسفية من مستوى فوقي كما أراد أتاتورك. إن الإرث الحضاري قد يغيب على مدى زمني ما، تحت تراكمات من الإجراءات الثقافية المضادة، لكنه لا يتلاشى نهائيا، فهو في ظروف معينة تواتيه صحوة عارمة تحرق تلك التراكمات وتنسفها، وهذا بالضبط ما جرى في تركيا خلال السنوات العشر الأخيرة.

التحديات والأهداف على أرض الواقع، هي التي تذيب دعوة القومية العربية في الدعوة الإسلامية الشاملة. وهذا هو الأساس الذي تنطلق منه الدعوة العظمى إلى التضامن الإسلامي التي تصدع بها تركيا اليوم. ولو بعث جمال عبدالناصر لوضع يده في يد رجب طيب أردوغان.

منذ العهد الناصري حتى يومنا هذا - وعلى مدى أربعة عقود زمنية - يبقى الوضع الجيو- سياسي الذي يواجه العرب كما كان عليه: قوة إقليمية أجنبية متفوقة في المنطقة ومهيمنة على الإقليم تدعى «إسرائيل»، تسندها جبهة غربية عريضة تتقدمها الولايات المتحدة وأوروبا.

في الماضي شنت إسرائيل بالمساندة الغربية حربين كبيرتين على الأمة العربية: حرب العدوان الثلاثي - إسرائيل وبريطانيا وفرنسا - في عام 1956 على مصر الناصرية، وحرب «الأيام الستة» في عام 1967 التي انتهت إلى احتلال إسرائيل لأراضٍ عربية في مصر وسوريا والأردن. وكان هذا العدوان مدعوما من الولايات المتحدة تسليحيا وماليا ودبلوماسيا. اليوم لا تختلف الصورة جوهريا.. بل إن النفوذ الإسرائيلي على العالم العربي - احتلاليا واقتصاديا واستخباراتيا - صار أقوى وأوسع مما كان عليه في الماضي، بعد دخول العلاقة العربية مع إسرائيل مرحلة كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة.

التحرر، إذن، من الهيمنة الإسرائيلية المدعومة بالهيمنة الأميركية، هو جوهر الأجندة المصيرية التي كانت تستبد بمشاعر عبدالناصر بالأمس، بقدر ما تشكل الآن الهاجس الأعظم لرجب طيب أردوغان، بعد أن أدركت قيادة حزب العدالة والتنمية أن القوة الإقليمية الإسرائيلية المتفوقة لا يقتصر تهديدها على العالم العربي، بل يستهدف مجمل العالم العربي الإسلامي، بما في ذلك تركيا نفسها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل