المحتوى الرئيسى

سوريا بين الدولة الفاشلة والمارقة

06/24 02:56

رضوان السيد

لا يقبل نعوم تشومسكي مصطلحي الدولة المارقة والفاشلة. فالدولة المارقة هي تلك التي تأبى أن تُطيع الولايات المتحدة، وتسعى للحفاظ على سيادتها، وعلى مصالح شعبها في استقلاليةٍ عن السوق العالمية الرأسمالية. وهو لا يقبل مصطلح أو وضْع الدولة الفاشلة، لأنه يأبى إعادة الفشل للدولة المعنية، ويعيده إلى اقتصاد السوق، والممارسات الأميركية على المستوى العالمي. فإذا فشلت دولةٌ في التنمية أو تحسين معيشة شعبها؛ فلا شكّ أنّ الولايات المتحدة هي التي تسببت في ذلك بالمُحاصرة أو زيادة درجة الاستغلال! أمّا موقفه من سلطات البلدان الموصوفة بأحد هذين المصطلحين أو بكليهما، فهو واضح. فالدول المارقة أو العاصية تملكُ رؤساء عظاما، أما الدولُ الفاشلةُ فتملك رؤساء وسلطاتٍ سيئة، لأنها تخضع في الأعمّ الأغلب للولايات المتحدة!

لماذا أُقدِّمُ بهذه المقدِّمة عن الفشل والمروق في الدول والسياسات؟ لأنّ هناك من لا يزال يدافع عن النظام السوري في مواجهة شعبه بحجة أنه نظامُ مُمانعةٍ ونظامٌ يدعم المقاومة - ولأنه كذلك فإنّ هناك مؤامرةً ضدَّه من الخارج. وهذا الأمر يقال يوميا في لبنان من جانب القوى التابعة والمتحالفة مع النظام السوري من قبل. كما أنه يقالُ في الأردن باعتبار أنّ هناك بعثيين وقوميين متنفّذين في النقابات المهنية. وإلى أسابيع قليلة، كانت جماعاتُ الإسلام السياسي (ومن ضمنها الإخوان المسلمون) تُدافع عن النظام بالحجة ذاتها وفي الأردنّ ومصر ومواطن أُخرى. وليس من المفيد في هذا المعرض مُجادلة مؤيدي النظام السوري بشأن القتل الجاري بسورية ولا بشأن طبيعة النظام، فهذان اعتباران لا يخطران لهم ببال، وقد يُعتبران فضيلتين: فالنظام صلبٌ ويقاتل المعارضين لأنه نظام ممانعةٍ قوميةٍ مناضلة، وهو يقتل الذين يسمَّون المعارضين، لأنهم إمّا سُذَّج أو إرهابيون أو ينفّذون مؤامرةً خارجية! وهناك الأمر الآخَرُ الذي لا يجوزُ نسيانُه. إذ لا تفصِلُنا عن مرحلة الجمود والاصطفافات غير أربعة أشُهرٍ أو خمسة. وقد بدأت بتونس ومصر قبل أن تمتدّ إلى ليبيا واليمن وسوريا. وفي ذهنية «الاصطفاف»، بدا النظامان المصري والتونسي باعتبارهما تابعين للولايات المتحدة. ولذلك سارع الرئيس بشار الأسد يومَها للقول لصحيفة «وول ستريت جورنال» إنّ ما جرى بمصر لن يجري مثله في سوريا، فالولايات المتحدة تتخلّى عن أصدقائها، والنظام السوري نظام ممانعة وليس صديقا للولايات المتحدة. ولذا فعندما بدأت المظاهرات الشعبية ببنغازي وتعز وسوريا، سارع قادة الدول الثلاث إلى اتّهام الولايات المتحدة بإثارة الاضطراب. وكانوا قد بدأوا باتّهام «الرجعيات» العربية، لولا أن ثبتَ لهم أنّ تلك الملكيات همُّها الاستقرار، ولا دورَ لها في المظاهرات الشعبية!

يكونُ علينا إذن أن نبحث عن عِلّة النظام السوري، وعلل سائر الجمهوريات الخالدة، في ناحيتين: طبيعة العلاقة مع شعوبها، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة والنظام الدولي. وفي المجال الأول، لا تُخفي تلك الأنظمة أنها ما استندت في شرعيتها وبقائها إلى آراء أو توجهات الأكثرية الشعبية في انتخاباتٍ حُرّة. وفي حالة حزب البعث بسوريا والعراق؛ فإنه كان حزبا عقائديا، وتغلغل في صفوف الجيش، وذهب إلى اعتبار نفسه طليعةً ثوريةً منصَّبة من «القومية العربية» والقوى التقدمية السائرة باتجاه حتميات التاريخ. وعندما تضاءل ذلك الوعي استنادا إلى تضاؤل الواقع الحزبي واختفائه، انخفض رفْع شعارات الدعوة والرسالة، وظهر في زمن الجيل الثاني (والثالث) أبناءُ الأسرة باعتبارهم العقيدة الوحيدة الباقية للنظام!

إنّ بقاء هذه الأنظمة (وبخاصةٍ السوري والليبي والجزائري)، رغم انقضاء دعواها الثورية أو بسبب ذلك الانقضاء قبل عدة عقود، وبعد انتهاء الحرب الباردة، يحتاج بالفعل إلى توضيح لجهة الاصطفافات والتوظيفات في الحرب الباردة وما بعدها. فشرعيةُ تلك الأنظمة ما كانت شعبيةً، وقد اعتمدت دائما على التوجُّس والقمع. وإنما استمدت أسباب بقائها من علاقات التجاذُب والتكامُل مع الولايات المتحدة والنظام الدولي.

والمعروف أنه بعد حرب عام 1973 ومحادثات فكّ الارتباط، صمد الهدوءُ على الجبهة السورية / الإسرائيلية على مدى قُرابة الأربعين عاما. أمّا الاختبار الثاني فقد جاء من خلال الموافقة على التدخل السوري بلبنان، حيث جرى إخضاع المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. كما جرى الاختبار الثالث في الوقت نفسه باستحداث جبهة مع العراق البعثي الصدّامي، وهي الجبهة التي لم يقصّر صدّام نفسه في إقامتها من جانبه أيضا، لنفس السبب والمصلحة. ودخلت كلٌّ من سوريا ومصر الحرب على العراق بزعامة الولايات المتحدة، عندما احتلّ صدّام الكويت عام 1990. وتلقّت سوريا تكليفا من الدوليين والعرب بإدارة لبنان بعد الطائف. ولذا فقد قام استقرارُ النظام السوري أيام الأسد الأب والابن على العلائق الوظائفية مع الولايات المتحدة: أداء خدمات في مقابل البقاء والاستقرار. فكيف يكون النظام السوري نظام مُمانعةٍ ومقاومة، ولا مستند له في ذلك إلاّ دعم حزب الله بعد عام 2000، في تحرير مزارع شبعا اللبنانية؟! ولماذا ما بُذل أي جَهد بارز في تحرير الجولان وبالدبلوماسية والسلام (كما فعل المصريون والأردنيون)، أو بالحرب والتحرير؟

لقد حدث الاختلال في العلائق بين الطرفين منذ عام 2004، وكانت الولايات المتحدة وإيران على حدٍ سواء، هما اللتان تسبّبتا في ذلك. فقد هجمت الولايات المتحدة بعد عام 2001 على المنطقة العربية والإسلامية، وما عادت تريد وكلاء أو مُساعدين حتّى إسرائيل. ومن جهةٍ أُخرى؛ فإنّ المحافظين الجدد في الجهة الإيرانية، وفي سياق استفادتهم من حاجة الولايات المتحدة إليهم، ما عادوا قانعين بعلاقات التحالف البعيدة؛ بل أرادوا خلق بؤرٍ ومناطق نفوذ واستتباعات ومن ضمنها سوريا. وهكذا بدأ الأميركيون يضغطون على سوريا لعدم التدخل في العراق المحتلّ، وللخروج من لبنان، باعتبار أنهم ما عادوا محتاجين إلى خدمات النظام السوري في الحالتين. وصار الإيرانيون يضغطون على النظام في سوريا لمزيدٍ من التبعية لسياساتهم، ومواجهة الولايات المتحدة بالنيابة عنهم وبواسطة حزب الله. وهكذا فإنّ الخلاف بين الطرفين ما جاء بسبب المُمانعة والمقاومة؛ بل في سياق الصراع بين الأميركيين والإيرانيين على اقتسام المنطقة، ولمن تكون سوريا في هذه القسمة؟ وقد أدخل الأميركيون المملكة العربية السعودية وتركيا لإقناع السوريين بعدم الإصغاء للوسوسات الإيرانية في العراق ولبنان وفلسطين، وانسحب السعوديون عندما يئسوا ولا يزال الأتراك يحاولون.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل