المحتوى الرئيسى

في غياب حكومات الائتلاف الوطني

06/24 01:33

رغيد الصلح

قبل إعلان حكومة نجيب الميقاتي في لبنان، طالب فرقاء من أهل الرأي والقرار بتشكيل حكومة وطنية تضم فريقي الصراع الرئيسي في لبنان: الثامن والرابع عشر من آذار . وقبل إعلان تعليق المفاوضات بين فتح وحماس، شهدت مدن فلسطين تحركات شعبية واسعة طالب المشاركون فيها بتحقيق المصالحة الوطنية واستطراداً بتشكيل حكومة وطنية تضم سائر الفصائل الفلسطينية . وراء هذه المطالبات كانت هناك أسباب ومبررات، فهل زالت هذه المبررات؟ هل تغيرت الأجواء فبات من الأفضل تشكيل حكومات أحادية الطابع؟

معارضو حكومات الائتلاف الوطني دأبوا على القول إن مثل هذه الحكومات تتعارض مع التقاليد البرلمانية السليمة . فمثل هذه الحكومات، ولأنها تضم أهم الأحزاب الرئيسة في البلاد، تؤدي عملياً إلى تهميش المعارضة ومن ثم إلى الخلل بين السلطات بحيث تهيمن السلطة التنفيذية، على السلطة التشريعية . في هذه الأحوال يفقد البرلمان واحداً من أهم أدواره إن لم يكن أهمها على الإطلاق وهو الدور الرقابي .

في غياب أو ضمور الرقابة البرلمانية يصبح بإمكان الوزراء أن يتصرفوا من دون أن يخشوا من المحاسبة والمساءلة . هذه الأجواء تشجع على انتشار المخالفات الدستورية والقانونية وعلى انتشار الفساد . هذا ما حصل في العديد من البلدان عندما تشكلت فيها حكومات ائتلاف وطني (فنزويلا، مثلاً، عام 1958) .

هذه المحاذير جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار عند تشكيل الحكومات الوطنية، ولكنها لا تلغي مبرراتها . فالحكومات الوطنية هي حكومات استثنائية الطابع تشكل استجابة لتحديات غير عادية يواجهها البلد، أي تحديات لا يصح أن يحمل فاعل واحد من فاعلي السياسة في النظم الديمقراطية مسؤولية معالجتها . وفلسطين ولبنان يواجهان اليوم تحديات غير عادية تتطلب تشكيل حكومات وحدة وطنية .

أهم هذه التحديات هو تطورات الصراع مع “إسرائيل” . القيادة الفلسطينية تريد نقل مسألة قيام الدولة الفلسطينية إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة خلال شهر سبتمبر/ أيلول المقبل . هذه المعركة الدبلوماسية تستحق تعبئة طاقات فلسطينية واسعة من أجل دعمها . هذه التعبئة لا تستطيع فتح وحدها تحقيقها . إنها تحتاج إلى مشاركة فلسطينية واسعة النطاق في الداخل والخارج . وحماس تملك إمكانيات واسعة في المكانين معاً، فإذا نجحت مساعي المصالحة الفلسطينية وتشكلت بموجبها حكومة فلسطينية موحدة، ينفسح المجال أمام مشاركة الفريقين وسائر الفصائل الفلسطينية في هذه المعركة .

الأهم من ذلك هو ما يأتي بعد موقعة الأمم المتحدة في نيويورك . فالمسألة الحاسمة هنا هي كيف يمكن توظيف هذه الموقعة في نطاق المعركة الأكبر والأهم ألا وهي إيقاف مرحلة الاستيطان “الإسرائيلي” . وهذا الهدف يحتاج إلى جهود مشتركة وعمل مركز وجماعي من قبل كافة الفصائل الفلسطينية . إذا نجح الفلسطينيون في انتزاع تأييد الجمعية العمومية للأمم المتحدة لإعلان دولة فلسطينية مستقلة، فإن الاستيطان “الإسرائيلي” لن يتوقف بل من الأرجح سوف يتوسع من أجل “تأديب” الفلسطينيين والدول المناصرة لهم حتى لا يكرروا اللجوء إلى تحرك سياسي يسبب الإحراج ل”إسرائيل” ويضع “شرعيتها” على المحك . عندها يترتب على القيادات الفلسطينية أن تفكر في وسائل وخطط فعالة من أجل وضع حد للاستيطان، وأن تسعى إلى تعزيز وتعميق التعاون في ما بينها لكي تتمكن من وضع هذه الخطط موضع التطبيق .

على الصعيد اللبناني فإن الصراع مع “إسرائيل” سوف يشتد في المستقبل . محور هذا الصراع سوف يكون موازين القوى بين لبنان و”إسرائيل”: هل يعود إلى ما كان عليه قبل السبعينات أم يستمر في التطور لمصلحة لبنان؟ في هذا السياق فإن “إسرائيل” وحلفاءها في الغرب سوف يصعدون الضغط على لبنان من أجل تحقيق هدف مزدوج: أولاً، نزع سلاح المقاومة اللبنانية، وتفكيكها . الثاني، منع الجيش اللبناني من الحصول على أسلحة متطورة ومن تطوير قدراته وزيادة عديده . يعتقد بعض مؤيدي الحكومة اللبنانية الجديدة أن تشكيلها من فريق الثامن من آذار فحسب سوف يحد من فاعلية هذه الضغوط ويحمي الجيش والمقاومة منها . في تقديري أن الحكومة الأقدر على تحقيق هذه الغاية هي حكومة وحدة وطنية لبنانية لأن التاريخ اللبناني يدل، مثله مثل تاريخ أكثر الشعوب والمجتمعات، على أن الضغوط الخارجية تنجح بمقدار نجاح أصحابها في اكتساب حلفاء محليين وفاعلين داخليين ينوبون عنهم في ممارسة الضغط على الحكومات المحلية أو على الزعماء المحليين الذين يقاومون الضغوط الخارجية .

الواقع الدولي الراهن وأوضاع الدول الأطلسية بصورة خاصة تعزز وجهة النظر الأخيرة . الصورة التي رسمها روبرت غيتس، وزير الدفاع الأمريكي السابق لأوضاع الناتو ولحال العالم الأطلسي في كلماته الوداعية إلى اجتماع الحلف في بروكسل كانت من وجهة نظر أطلسية متشائمة وقاتمة . هذه الصورة ليست من بنات أفكار غيتس وحده، بل هي موضع قناعات مشتركة لدى العديد من العسكريين الكبار في حلف ناتو . تأكيداً لهذه القناعات حذر البعض من أن الحملة العسكرية التي ينفذها الحلف ضد نظام العقيد القذافي مهددة بالتوقف بسبب النقص في العتاد والذخيرة التي تعاني منها قوات الحلف! هذه التصريحات توحي بأن دول الغرب تعاني من مشكلة حقيقية في الإمساك بزمام السياسة الدولية وترجمة تهديداتها إلى الآخرين وضغوطها عليهم إلى أفعال ملموسة .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل