المحتوى الرئيسى

عبدالرحمن السمني يكتب: عن أديب والشاعر وسيادة المحافظ

06/24 00:49

عبدالرحمن السمني يكتب: عن أديب والشاعر وسيادة المحافظ

عبد الرحمن السمني

الجريدة (خاص) – كتب عبدالرحمن السمني

شهدت الفضائيات واقعتين مفاجئتين في يوم واحد، تمثلت الأولى في انسحاب الشاعر عبدالرحمن يوسف ضيف حلقة الأربعاء من برنامج القاهرة اليوم الذي يقدمه الإعلاميان عمرو أديب ومصطفى شردي على قناة أوربت الفضائية، والثانية في اغلاق محافظ القاهرة د. عبدالقوي خليفة الهاتف في وجه الإعلامي محمود سعد في حلقة برنامج في الميدان على قناة التحرير. وكلاهما يستحق التعليق.

في الواقعة الأولى، تباينت آراء الجمهور بين مؤيد ومعارض لتصرف الشاعر عبدالرحمن يوسف الذي انسحب بعد خطأ  في تقديمه. وعندما يحاول الإعلام تقييم ما حدث، فلا بد أن يتم ذلك بتناول موضوعي لعدة أمور.

أول تلك الأمور هو مدى وجود خطأ من فريق الإعداد في تقديم الضيف من عدمه. والإجابة أن ثمة خطأ وقع بالفعل، تمثل في تجاهل وجود موقع رسمي للشاعر على الانترنت، والاعتماد على موقع ويكيبيديا بحسب شردي كمرجع وحيد للسيرة الذاتية. ومعلوم أن ويكيبيديا موسوعة مفتوحة، لا يعتد بها كمصدر أوحد للمعلومة لأنها قابلة للتعديل من أي متابع، وكثيرًا ما تتسم المعلومات الموجودة عليها بالمبالغة والقدم وعدم الدقة، لا سيما نسختها العربية. بل ولا يعتد بها كمصدر للمعلومة في أمور مثل التحقيقات الإعلامية أو البحث العلمي شأنها شأن المنتديات.

الشاعر عبد الرحمن يوسف

أصدر يوسف بيانًا في اليوم التالي أوضح فيه أنه تنازل من سنوات عن الجنسية القطرية، التي حصل عليها بعد مولده ونشأته في الدوحة وهو شئ لم يختاره، تنازل لأنه لم يكن يليق به الاحتماء بجنسية أخرى في أوج معارضته لنظام مبارك. ما يعني أن المعلومة الواردة في التقديم غير صحيحة.

إذًا اعتمد فريق الاعداد على مصدر غير أصيل لمعلوماته، كما تجاهل وجود طلب مسبق للضيف من رئيس التحرير محمد يونس، وبموجبه حل ضيفًا على البرنامج، وهو تقديمه على ما هو عليه لا بكلام مرسل، ولم يفعل الإعداد أبسط اليسير وهو سؤاله عن المعلومة للتأكد منها وهو أمر ما كان ليستغرق ثوان.

ومن القواعد الإعلامية المعروفة في كتابة المقدمات أن تعتمد على كل ما هو ثابت صحته، فيما تؤجل المعلومات التي تحتمل الصواب أو الخطأ لمناقشتها مع الضيف، وإذا لم تجد بدًا من طرحها في المقدمة فلا تطرحها على سبيل الاقرار وإنما الاستفسار، وما فعله المعد هنا اقرار يدخل تحت بند تمرير المعاني، ولا يصح أبدًا اعتباره كلمة عابرة أو أن الموضوع أخذ أكبر من حجمه.

لو كنت مكان الضيف، فلن تملك إلا الاعتراض على التقرير ولن تستغرب وصفه بـ”السخيف” كما فعل، ومع التسليم بوجود خطأ، وخطأ كبير، فإن واجب الإعلامي في تلك الحالة هو الاعتراف بالخطأ بل والاعتذار عنه، فهل هذا حدث؟

تمرير المعاني للجمهور من خلال كلمة أو صورة واحدة كثيرًا ما يحدث في الإعلام، وعند النظر لحالة يوسف، وهي تقديم أحد معارضي النظام السابق، والمسئول عن حملة دعم البرادعي المرشح للرئاسة على أنه مصري / قطري، ستجد أنه من السهل اعتبار الأمر متعمدًا لتمرير معنى، ربما للاثارة وربما للتشكيك في النوايا، ويجدر بإعلام محترف أن يضع كل كلمة في محلها الصحيح.

المهونون من أمر الكلمة الواحدة أضرب لهم مثال بسيط للغاية، حتى يتضح كيف بامكان كلمة الوصف الواحدة تغيير المعنى تمامًا. لنفترض أن مستوطنًا اسرائيليًا طعن مواطنًا فلسطينيًا حتى الموت. نقل الصحفي الأول الخبر مع عبارة (أكد شهود عيان أن الاسرائيلي كان في وضع دفاع عن النفس)، ونقل صحفي آخر الخبر نفسه بعبارة (أكد شهود عيان “اسرائيليين” أن الاسرائيلي كان في وضع دفاع عن النفس). وهكذا نلاحظ كيف يمكن لكلمة وصف واحدة اتاحة الخيار للجمهور لقبول أو رفض المعلومة، أو تمرير معنى على أنه أمر مسلم به يجب على الجمهور تصديقه. وتلعب الانتقائية هنا دورها بين ما يقال وما يحذف.

لو كنت مكان الضيف، فلن تملك إلا الاعتراض على التقرير ولن تستغرب وصفه بـ”السخيف” كما فعل، ومع التسليم بوجود خطأ، وخطأ كبير، فإن واجب الإعلامي في تلك الحالة هو الاعتراف بالخطأ بل والاعتذار عنه، فهل هذا حدث؟

الإعلامي عمرو أديب

ما حدث فعلاً كان كعذر أقبح من ذنب، وهو ما بدأه شردي بقوله المرتبك “أنا مقلتش إن أنت قطري” ثم الدخول في تفاصيل تكشف المصدر الضعيف الذي استعان به فريق الإعداد، مسيئًا بذلك لطاقم الإعداد أكثر مما أساء الضيف، وهو ما استفز الضيف أكثر، قائلاً أنه من المستحيل أن يكون طاقم الإعداد قد تدرب أو درس الإعلام، ومعه حق مجددًا. كان يوسف يبحث عن اعتراف بالخطأ، وكان اعتذار بسيط من المذيع ينهي القضية، خاصة لو أعقبه اتاحة حق الرد والتوضيح للضيف.

الأدهى أن صمت أديب التام جعلني أتخيل أنه يحضر ردًا عاقلاً ينهي المسألة، ففاجئني برد لا يصدر من إعلامي محترف مهما تمادى الضيف، ولكنه تصرف طفولي أقرب إلى (تخليص الحق) على طريقة (احترم نفسك يا راجل أنت) وهو ما لاقى اعجابًا ممن اعتبروه بطلاً دافع عن زملائه. والسؤال هو: هل دافع أديب عن زملائه فعلاً؟

المنطق يقول أن انهاء الحلقة بهذه الطريقة ساهم في الاساءة لطاقم عمل البرنامج ككل. التغطية الإعلامية وانتشار فيديو اللقطة على الانترنت،قد تصل لجمهور ربما يفوق جمهور البرنامج نفسه، مما يساهم في تأكيد ضعف طاقم الإعداد لدى من اعتبروا رد أديب الحيلة الأخيرة لعاجز.

هنا تناسى أديب تمامًا أن مصلحة المشاهد فوق كل شئ، وأن هدفه كمقدم برامج هو تقديم الحلقة وليس انهاءها أو طرد الضيف أو افحامه بقوله “ورق حضرتك هنبقى نبعتهولك”، وأنه كإعلامي محنك لا يجب أن يعدم الرد.

ردود أخرى؟ نعم امتلك أديب أكثر من رد، كتهدئة الضيف واقناعه أن الخطأ غير مقصود دون الإشارة لمصدر المعد، ومطالبة الضيف بتصحيح المعلومة، والتأكيد على أن طاقم الإعداد محترف ودرس الإعلام ويساهم في نجاح البرنامج منذ سنوات عدة، وأن خطأ واحد من شخص واحد لا يجب أن يسئ لفريق الإعداد ككل. وفي تلك الحالة لم نكن لنناقش أصلاً مدى فشل طاقم الإعداد أو أديب أو شردي، لأنه لم تكن لتحدث مشكلة من الأساس. هذا هو ما أفهمه بدفاع مذيع عن طاقم برنامجه، وهذا هو ما أتوقعه من إعلامي يضع مصلحة المشاهد في المقام الأول.

محافظ القاهرة د. عبدالقوي خليفة

على نفس المنوال، وبنفس رفض أديب للانتقاد، جاءت الواقعة الثانية عندما رفض محافظ القاهرة د. عبدالقوي خليفة أن يتم توجيه النقد له في عمله، وتناسى أن للإعلام سلطة رقابية، وأن تحقيقًا صحفيًا نشره صحفيان في صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية فجر قضية ووترجيت التي أدت لاستقالة الرئيس الأمريكي نيكسون من منصبه عام 1974.ضربت المثل الأشهر عالميًا، أما محليًا فما يسري فودة عنكم ببعيد.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل